الشيخ محمد رشيد رضا
462
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة ، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء » اه من الدر المنثور . والشاهد فيه أن العبرة بالعمل بما في الكتب الإلهية والاهتداء بهدايتها . وقد كان أهل الكتاب في ذلك العصر أبعد ما كانوا عن هداية دينهم مع شدة عصبيتهم الجنسية له ، كما هو شأن المسلمين اليوم ، على أن عصبيتهم الجنسية له قد ضعفت أيضا واستبدل كثير منهم بها جنسية اللغة أو الوطن ولا يمنعنا من الاعتبار بهذا الحديث ما علل به من الضعف وانقطاع السند والقلب والاختلاف ، لأننا لا نريد أن نثبت به حقيقة ولا حكما شرعيا لا دليل عليهما سواه . وهو لا يدل على سلامة التوراة والإنجيل من التحريف بالزيادة والنقصان ، لأنهما على ثبوت ذلك يشتملان على التوحيد والهداية إلى البر والتقوى ، ولكن أهلهما لا يقيمون ذلك ، فالحجة عليهما قائمة على كل حال . وقد علمت أن هذا الحديث تثبت به العبرة ، ولكن لا تقوم به حجة . وقد أشار الحافظ في ترجمة زياد بن لبيد من الإصابة إلى مخرجيه وعلله عندهم ، ومنه يعلم قصور ما اكتفى به السيوطي في الدر المنثور ( تنبيه ) ان الشهادة لبعض أهل الكتاب بالقصد والاعتدال في هذه الآية له نظائر في آيات أخرى كقوله تعالى ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) وقوله ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) - الآية - وغير ذلك . ولولا أن هذا القرآن وحي من اللّه لما وجدت فيه مثل هذه الشهادة ، لان الانسان مهما كان عادلا فاضلا لا يرى الفضيلة المستترة في خصومه الذين يناوئونه ويحاربونه فيشهد لهم بها ، بل أكثر الناس يعمى عن محاسن عدوه الظاهرة المستفيضة ، وان رأى شيئا منها يظن أنه نفاق وخداع ، قال شاعرنا الحكيم : وعين الرضا عن كل عيب كليلة * كما أن عين السخط تبدي المساويا ومن شواهد العبرة على هذه الحقيقة كلمة قالتها امرأة كبيرة العقل والعلم والسن من فضليات النساء في سويسرة لشيخنا الأستاذ الامام ؛ قالت له « انني لم أكن قبل معرفتك أظن أن القداسة توجد في غير المسيحيين » فإذا كانت هذه المرأة