الشيخ محمد رشيد رضا

460

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآخرة على جزاء الدنيا ، فكل منهما مرتب بحسب حكمة اللّه تعالى على صلاح النفوس والاصلاح في الاعمال ، وبناء على هذه الحقيقة قال : * * * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي لو أنهم آمنوا بخاتم النبيين والمرسلين ، واتقوا باتباعه تلك المفاسد التي جروا عليها ، لكفرنا عنهم تلك السيئات لان هذا الايمان يجبّ ما قبله ، والتقوى التي تتبعه تزكي النفس وتطهرها من تأثير تلك السيئات فيمحى اثرها ، ويكون ذلك كفارة لها ، فيستحقون جنات النعيم التي لا بؤس فيها * * * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ إقامة التوراة والإنجيل العمل بهما على أقوم الوجوه وأحسنها ، سواء فيه عمل النفس وهو الايمان والاذعان ، وعمل القوى والجوارح . أي لو أقاموا ما في التوراة والإنجيل المنزلين من قبل بنور التوحيد والفضائل ، المبشرين بالنبي الذي يأتي من أبناء أخيهم إسماعيل كما قال موسى ، والبارقليط روح الحق الذي يعلمهم كل شيء كما قال عيسى ( عليهم السّلام ) وأقاموا بعد ذلك ما أنزل إليهم من ربهم على لسان هذا النبي الذي بشرت به كتبهم وهو الفرقان الذي أكمل اللّه به الدين - لو أقاموا جميع ذلك ولم يفرقوا بين رسل اللّه وكتبه - لوسع اللّه عليهم بالتبع لذلك ما يهمهم من موارد الرزق ، فأكلوا من الثمرات والبركات التي تنتج من أمطار السماء ونبات الأرض ، وتمتعوا بما وعد اللّه به هذا النبي وأمته من سعة الملك . وقيل إن المراد بما أنزل إليهم من ربهم سائر ما أوحاه اللّه تعالى إلى أنبيائهم من أمر الدين وآدابه والبشارة بالنبي الأخير ( ص ) كزبور داود وحكم سليمان وكتب دانيال وأشعيا وغيرهما عليهم السّلام وفي مجلدات المنار بيان لكثير من هذه البشارات . وإقامة هذه الكتب من أسباب الصلاح والاصلاح ، فلو أقامها قبل البعثة المحمدية أهل الكتاب ، لما غلب عليهم ما عزاه المؤرخون إليهم من الطغيان والفساد ، ولما عاندوا النبي المبشرة به ذلك العناد . ذلك بأنهم لم يقيموها ولا تدبروها ، وانما كان الدين عندهم أماني يتمنونها ، وبدعا وتقاليد يتوارثونها . فهم بين غلو وتقصير ، وافراط وتفريط . والمراد أن دهماءهم وسوادهم الأعظم كان كذلك كما يعلم من تواريخهم