الشيخ محمد رشيد رضا

459

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لما رأوا ما عند مسلمي العرب من العدل ، المزيل لما كان عليه الروم والقوط من الجور عليهم والظلم ، وكذلك كانت عداوة النصارى للمسلمين في الصدر الأول للاسلام سياسية ، ولذلك كانت على أشدها بينهم وبين الروم ( الرومان ) المستعمرين للبلاد المجاورة للحجاز كالشام ومصر ، وكان نصارى البلاد أقرب إلى الميل للمسلمين بعد ما وثقوا بعدلهم ، لما كانوا يقاسون من ظلم الروم على كونهم من أهل دينهم . وهذا شأن الناس في العداوة والمودة ابدا ، يتبعون في ذلك مصالحهم ومنافعهم ، فلا ينبغي ان يجعل ما ذكر وصفا ذاتيا لهم أو لدينهم ؛ ولينتظر القارئ شهادة اللّه تعالى للنصارى بكونهم أقرب مودة للمؤمنين بعد آيات قليلة . فتحتم ان العداوة من السياسة لا من الدين . وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ اي انهم لم يكونوا فيما يأتونه أو على ما يأتونه من عداوة النبي والمؤمنين وايقاد نيران الحرب والفتن والقتال ، مصلحين للأخلاق والاعمال ، أو لشؤون الاجتماع والعمران ، بل كانوا يسعون في الأرض سعي فساد أو لأجل الفساد ، بمحاولة منع اجتماع كلمة العرب ، وخروجهم من الأمية إلى العلم ، ومن الوثنية إلى التوحيد ، وبالكيد للمؤمنين ، وتشكيكهم في الدين ، حسدا لهم ، وحبا في دوام امتيازهم عليهم . واللّه لا يحب المفسدين في الأرض ، فلا يصلح عملهم ، ولا ينجح سعيهم ، لأنهم مضادون لحكمته في صلاح الناس وعمران البلاد . والدليل على صحة هذا ان اللّه أبطل كل ما كاده أولئك الأقوام ، للنبي ( ص ) وللعرب والاسلام . وان العرب لما اجتمعت كلمتها وصلحت حالها بالاسلام ، أصلحوا بين الناس ، وعمروا الأرض في كل بلاد كان لهم فيها سلطان ، وأما غيرهم فكانوا مفسدين بالظلم ومخربين للبلاد . فالاسلام يأمر بالصلاح والاصلاح على أكمل وجه وهو ما يحبه اللّه تعالى ، فلما قام المسلمون به حق القيام ، أيدهم ونصرهم على جميع من ناوءهم من الأقوام ، وكذلك التوراة والإنجيل ما أنزلت الا لهداية الناس إلى الصلاح والاصلاح ، وانما كان أهلها مفسدين في ذلك العصر ، لأنهم تركوا هدايتهما ، كما هو شأن جماهير المسلمين في هذا العصر : تركوا هداية القرآن ، وأعرضوا عما أرشد اليه من الصلاح والاصلاح ، فزال ملكهم ، وسلط اللّه عليهم غيرهم ، وقس جزاء