الشيخ محمد رشيد رضا

458

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النصارى فهي أشد ، وان دولهم الكبرى تستعد دائما لحرب يسحق بها بعضها بعضا . كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ الحرب ضد السلم وليس مرادفا للقتال بل أعم - كما حققناه في تفسير آية المحاربة من هذه السورة - فهو يصدق بالاخلال بالأمن ، والنهب والسلب ولو بغير قتل ، ويصدق بتهييج الفتن والاغراء بالقتال ، خص مجاهد الحرب هنا بحربهم للنبي ( ص ) والحسن باجتماع السفلة من الأقوام على قتل العرب ، وقال السدي في تفسير الجملة : كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه اللّه وأطفأ حدهم ونارهم وقذف في قلوبهم الرعب . وفسره الربيع بما كان من مفاسدهم الماضية التي أغرت بها البابليين والروم قبل النصرانية وبعدها ثم المسلمين ، كأنه يرى أن ايقادهم لنار الحرب هو تلبسهم بالاعمال التي هي سبب لها ، وان لم يريدوها بها . والمراد ان اللّه تعالى يخذلهم في كل ما يكيدون به لرسوله وللمؤمنين الصادقين . فإما أن يخيبوا ولا يتم له ما يسعون اليه من الاغراء والتحريض ، وإما ان ينصر اللّه رسوله والمؤمنين . وكذلك كان ، وصدق اللّه وعده ، وأعز جنده . ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . وجعل بعض المفسرين ذلك عاما عملا بظاهر اللفظ دون السياق والقرينة والأسباب والعلل ، فقال الزمخشري في تفسيره : كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من اللّه على أحد قط ، - ثم قال - وقيل كلما حاربوا رسول اللّه ( ص ) نصر عليهم . اه وما اخترناه أظهر ومن المفصل في السيرة النبوية ان اليهود كانوا يغرون المشركين بالنبي ( ص ) والمؤمنين ، وكان منهم من سعى لتحريض الروم على غزوهم ، ومنهم من كان يقطع الطريق على المؤمنين ويؤوي أعداءهم ويساعدهم ، ككعب بن الأشرف وكل ما كان من مقاومة اليهود للنبي ( ص ) والمؤمنين كان سببه الحسد والعصبية ، وتوقع الأحبار والرؤساء إزالة الاسلام لما كان لهم من الامتياز بين العرب في الحجاز من مكانة العلم والمعرفة ، إذ كان المشركون يحترمونهم لكونهم أهل كتاب وعلم وان لم يدينوا بدينهم . فكانت عداوتهم للمسلمين عداوة سياسية جنسية ليست من طبيعة الدين ولا من روحه ، ولذلك كان ضلع اليهود مع المسلمين في الشام والأندلس