الشيخ محمد رشيد رضا
457
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على نبوتك ، فكان ينبغي أن يجذبهم إلى الايمان بك ، لأنك لولا النبوة والوحي لما علمت من ذلك شيئا - لا من ماضيه لأنك أمي لم تقرأ الكتب ، وما كل من قرأها يعلم كل ما جئت به عنهم - ولا من حاضره لأنه من خفايا مكرهم وأسرار كيدهم - ولكنهم لتجاوزهم الحدود في الكفر والحسد للعرب ، والعصبية الجنسية لأنفسهم ، لا يجذبهم ذلك إلى الايمان ولا يقربهم منه الا قليلا منهم ، وو اللّه ليزيدن كثيرا منهم طغيانا في بغضك وعداوتك وكفرا بما جئت به . قال قتادة : حملهم حسد محمد ( ص ) والعرب على أن كفروا به - وفي رواية : على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه - وهم يجدونه مكتوبا عندهم . فعلم مما شرحناه ان زيادة طغيان الكثيرين منهم وكفرهم جاء على خلاف الظاهر وضد ما يقتضيه الدليل ، فلهذا أكده بالقسم الذي تفيده اللام في قوله « وَلَيَزِيدَنَّ » وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال المفسرون ان الضمير في قوله « بَيْنَهُمُ » يرجع إلى اليهود والنصارى في قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ) رواه ابن جرير عن مجاهد واقتصر عليه ، وعزاه غيره إلى الحسن أيضا ، ورواه أبو الشيخ عن الربيع ، فلا نعرف في التفسير المأثور عن السلف غيره ، وفي تفاسير المتأخرين احتمال أن يكون الضمير لليهود وحدهم ، ويراد بالملقى حينئذ عداوة المذاهب والبغضاء بين الافراد ، لان هذا لا ينقطع من بين الناس ، ولكن لا يظهر معه فائدة لتخصيص اليهود به ، وهم الآن من أشد الأمم تعاطفا وتعاضدا وائتلافا . وأما العداوة بينهم وبين النصارى فلم تنقطع . وهي على أشدها الآن في بلاد روسية وعلى أقلها في انكلترة وفرنسة وألمانية ، لما في هذه الممالك من القوانين الحرة والحكومات المنتظمة ، ولما للمال وأهله فيها من النفوذ والتأثير في السياسة وسائر شؤون الاجتماع ، واليهود أغنى أهلها ، والمديرون لأرحية أعظم الاعمال المالية فيها . وهم على مكانتهم هذه مبغوضون من جماهير النصارى ، وكم ألفت كتب في فرنسة وغيرها في التحريض عليهم . وقد أخبرني ألماني من العلماء المستشرقين أنهم لا يعدون اليهودي في بلاده منهم ، بل يقولون هذا يهودي وهذا ألماني . واما العداوة بين ( تفسير القرآن ) ( 58 ) ( الجزء السادس )