الشيخ محمد رشيد رضا

456

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اليد بالامساك وحبس العطاء عن الاتساع ما نصه : وانما وصف - تعالى ذكره - اليد بذلك والمعنى العطاء ، لان عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم ، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم ، أو ببخل وشح وضيق ، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه ، كما قال الأعشى في مدح رجل : يداك يدا جود فكف مفيدة * وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من انفاق وإفادة إلى اليد ، ومثل ذلك في كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن تحصى ، فخاطبهم اللّه بما يتعارفونه أو يتحاورونه بينهم في كلامهم اه . ثم لما ذكر قول من قال من أهل الجدل ان يد اللّه نعمته أو قدرته أو ملكه ، وقول من قال إن يد اللّه صفة من صفاته غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم ، - رد القول الأول ورجح الثاني بتثنية اليد وعدم إفزادها ، وابطال قول من قال : ان التثنية بمعنى الجمع . نعم ان التثنية ليست بمعنى الجمع ، واليد واليدين لم يقصد بلفظهما النعمة ولا القوة ولا الملك ، وانما الاستعمال في الموضعين من الكناية ، ونكتة التثنية إفادة سعة العطاء ومنتهى الجود والكرم ، وليس في هذا القول المروي عن ابن عباس تأويل ، ولا نفي لما أثبته البارىء لنفسه من صفة اليد واليدين والأيدي في آيات أخرى ، وما سبب ذهول ابن جرير عن نكتة التثنية الا توجهه إلى الرد على أهل الجدل في المذهب الذي كانوا قد انتحلوه في تأويل الصفات ، ومتى وجه الانسان همه إلى شيء يكون له منه حجاب ما عن غيره . وتقرير الحقيقة لذاتها ، غير الرد على من يعدون من خصومها ، ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) ولهذا غلط كثير من أنصار مذهب السلف في مسائل خالفوا فيها المذهب من حيث يريدون تأييده . وهذه آفة من آفات عصبية المذاهب لا تنفك عنها وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً الخطاب للنبي ( ص ) اي ان هذا الذي أنزلناه عليك من خفيّ أمور هؤلاء اليهود المعاصرين لك ومن أحوال سلفهم وشؤون كتبهم وحقائق تاريخهم ، هو من أعظم الحجج والآيات