الشيخ محمد رشيد رضا
451
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . روي عن ابن عباس أنه قال : ما في القرآن أشد توبيخا من هذه الآية أي فهي حجة على العلماء إذا قصروا في الهداية والارشاد وتركوا النهي عن البغي والفساد ، وإذا كان حبر الأمة ابن عباس يقول هذا فما قول علماء السوء الذين أضاعوا الدين وأفسدوا الأمة بترك هذه الفريضة ؟ ومن العجائب اننا نقرأ توبيخ القرآن لعلماء اليهود على ذلك . ونعلم أن القرآن انزل موعظة وعبرة . ثم لا نعتبر باهمال علمائنا لأمر ديننا ، وعناية علمائهم في هذا العصر بأمر دينهم ودنياهم ! ! وسيأتي بسط هذا المعنى ان شاء اللّه تعالى . ومن مباحث البلاغة في التعبير التفرقة بين يعملون ويصنعون . قال الراغب : الصنع اجادة الفعل فكل صنع فعل ، وليس كل فعل صنعا ، ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات كما ينسب الفعل ، اه وقال غيره : الصنع أخص من العمل فهو ما صار ملكة منه ، والعمل أخص من الفعل ، لأنه فعل بقصد . وقال في الكشاف : كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير . لأن كل عامل لا يسمى صانعا . ولا كل عمل يسمى صناعة ، حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب اليه . وكان المعنى في ذلك ان مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها ، واما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره فإذا فرط في الانكار كان أشد إثما من المواقع اه والذي أفهمه ان معاصي العوام من قبيل ما يحصل بالطبع لأنه اندفاع مع الشهوة بلا بصيرة . ومعصية العلماء بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف من قبيل الصناعة المتكلفة لفائدة للصانع فيها يلتمسها ممن يصنع له . وما ترك العلماء النهي عن المنكر وهم يعلمون ما أخذ اللّه عليهم من الميثاق الا تكلفا لإرضاء الناس ، وتحاميا لتنفيرهم منهم ، فهو ايثار لرضاهم على رضوان اللّه وثوابه . والأقرب ان يكون من الصنع - لا من الصناعة ، وهو العمل الذي يقدمه المرء لغيره يرضيه به . * * * ( 67 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ؛ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ . وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى