الشيخ محمد رشيد رضا

450

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ونكتة قوله « وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ » هي تأكيد كون حالهم في وقت الخروج كحالهم في وقت الدخول ، وانما احتاج هذا للتأكيد لمجيئه على خلاف الأصل لأن من كان يجالس الرسول ( ص ) وأصحابه ( رض ) يسمع من العلم والحكمة ويرى من الفضائل ما يكبر في صدره ويؤثر في قلبه حتى إذا كان سيىء الظن رجع عن سوء ظنه ، - وأما سيىء القصد فلا علاج له - وقد كان يجيئه الرجل يريد قتله ، فإذا رآه وسمع كلامه آمن به وأحبه . وهذا هو المعقول الذي أيدته التجربة . وانما شذ هؤلاء وأمثالهم ، لأن سوء نيتهم وفساد طويتهم قد صرفا قلوبهم عن التذكر والاعتبار ، ووجها كل قواهم إلى الكيد والخداع ؛ والتجسس وما يراد به ، فلم يبق لهم من الاستعداد ما يعقلون به تلك الآيات ، ويفقهون مغزى الحكم والآداب . ( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) * * * وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ اي وترى أيها الرسول أو أيها السامع كثيرا من هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دين الحق هزؤا ولعبا يسارعون فيما هم فيه من قول الإثم وعمله ، وهو كل ما يضر قائله وفاعله في دينه ودنياه . وفي العدوان وهو الظلم وتجاوز الحقوق والحدود الذي يضر الناس . وفي اكل السحت وهو الدنيء من المحرم - كما تقدم - ولم يقل : يسارعون إلى ذلك لان المسارع إلى الشيء يكون خارجا عنه فيقبل عليه بسرعة ، وهؤلاء غارقون في الاثم والعدوان . وانما يسارعون في جزئيات وقائعهما ، كلما قدروا على إثم أو عدوان ابتدروه ولم ينوا فيه لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ تقبيح للعمل الذي كانوا يعملونه في استغراقهم في المعاصي المفسدة لأخلاقهم وللأمة التي يعيشون فيها أن لم تنههم وتزجرهم ، على أنهم تركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يكن يقوم به أحد منهم ، لا العلماء ولا العباد إذ كان الفساد قد عم الجميع . ولذلك قال : * * * لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ! لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ أي هلّا ينهى هؤلاء المسارعين فيما ذكر أئمتهم في التربية والسياسة وعلماء الشرع والفتوى فيهم ، عن قول الإثم كالكذب ، واكل السحت كالرشوة ! لبئس ما كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار ، من الرضى بهذه الأوزار ،