الشيخ محمد رشيد رضا

43

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمصائب والمخاوف ، واستشهد بقوله تعالى ( أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) وقوله ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ) وقوله حكاية عن ولد نوح ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) والربوة لمكان المرتفع وبلاد كشمير من أعلى بلاد الدنيا وهي ذات قرار مكين ، وما معين ، والمشهور عند المفسرين ان هذه الربوة هي رملة فلسطين أو دمشق الشام ، ولو آوى اللّه المسيح وأمه اليهما ، لما خفي مكانهما فيهما ، لا سيما إذا كان ذلك بعد محاولة صلبه وتألّب اليهود عليه ، كما يدل عليه لفظ الإيواء الذي لم يستعمل في القرآن الا في الانقاذ من المكروه كما علم من الأمثلة المذكورة آنفا ، ومثلها قوله تعالى في الأنصار رضي اللّه عنهم ( وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ) * وفي يوسف عليه السّلام ( آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) وفي آية أخرى ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) ولم يكن المسيح قبل تألب اليهود عليه والسعي لقتله وصلبه في مخافة يحتاج فيها إلى الإيواء في مأمن منه . ففراره إلى الهند وموته في ذلك البلد ليس ببعيد عقلا ولا نقلا ( الشبهة السابعة ) يقولون انكم تأخذون بقول إنجيل برنابا وغيره بالموضوع وأقوال مبتدعة النصارى الأولين الذين زعموا أن يهوذا هو الذي صلب لا المسيح مع أن يهوذا قد انتحر كما ثبت في الإنجيل ونقول في الجواب اتفقت النصارى على القول بأن يهوذا الإسخريوطي هو الذي دل على يسوع المسيح وكان يهوذا هذا رجلا عاميا من بلدة تسمى ( خريوت ) في ارض يهوذا تبع المسيح وصار من خواص أتباعه الذين يلقبونهم بالتلاميذ الاثني عشر الذين بشرهم بأنهم يكونون معه في الملكوت على اثنى عشر كرسيا ويدينون بني إسرائيل ، أي يحاسبونهم في يوم الدين . ومن الغريب ان يهوذا كان يشبه المسيح في خلقه كما نقل ( جورج سايل ) الانكليزي في ترجمته للقرآن المجيد فيما علقه على سورة آل عمران ، وعزا هذا القول إلى ( السيرنثيين والكربوكراتيين ) من أقدم فرق النصارى الذين أنكروا صلب المسيح وصرحوا بأن الذي صلب هو يهوذا الذي كان يشبهه شبها تاما