الشيخ محمد رشيد رضا
44
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقالوا إن يهوذا اسف وندم على ما كان من اسلامه المسيح إلى اليهود حتى حمله ذلك على بخع نفسه ( الانتحار ) فذهب إلى حقل وخنق نفسه فيه ( متى 27 : 3 - 10 ) أو علقها ( اعمال 1 : 18 ) وغرضنا من هذا الخبر بيان انهم معترفون بان يهوذا فقد بعد حادثة الصلب ولم يظهر في الوجود وانهم يدعون ان سبب هذا هو قتل نفسه من الحزن والأسف . واختلف الرسل في كيفية القتل وان كانوا معصومين ( ؟ ) . ونحن نرى أنه انما فقد لأنه هو الذي صلب ، والمسيح هو الذي نجاه اللّه تعالى ورفعه ، فان الذي يحمله انفعاله وألم نفسه على أن يبخع نفسه بيده خنقا أو شنقا لا يستبعد منه ان يبسلها بالاستسلام إلى من يتولى ذلك عنه فإنه أهون عليه ، فمن المعقول أن يكون يهوذا عندما دل اليهود على المسيح في الليل رأى بعينيه عناية اللّه تعالى بانجائه وانقاذه من بين أيديهم ( كما انجى أخاه محمد عليهما الصلاة والسّلام من أيدي كفار قريش وكانوا أشد معرفة له من معرفة اليهود للمسيح - لأنهم لم يكونوا يحتاجون إلى بذل المال لمن يدلهم عليه كما بذلت اليهود ثلاثين قطعة من الفضة ليهوذا - فخرج ليلة الهجرة من بين الذين كانوا ينتظرونه عند داره ليقتلوه ولم يبصروه ) فلما رأى يهوذا ذلك وعلم درجة عناية اللّه تعالى بعبده ورسوله عظم ذنبه في نفسه واستسلم للموت ليكفر اللّه عنه ذنبه كما كفر ذنب الذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل بقتل أنفسهم فأخذوه وصلبوه من غير مقاومة تذكر . فرواية الإنجيل وسفر الاعمال عن وجدانه مخنوقا أو مشنوقا غير مسلمة وقد تعارض القولان فتساقطا ووجب اعتماد قول برنابا الذي أخذ به بعض قدماء النصارى . وإذا كان ايمان يهوذا قويا إلى هذه الدرجة درجة الانتحار والبخع من ألم الذنب فليت شعري لماذا لا تقبل توبته ولا ينفعه ايمانه حتى ادعوا انه مات كافرا ، وان كرسيه في الملكوت سيبقى خاليا ، وبشارة المسيح له لا تكون صادقة ؟ ولماذا تقبل توبة بطرس الذي انكر المسيح وتركه ولعنه المسيح في حياته وسماه شيطانا ، على أن توبته دون توبة يهوذا ، وما كان يهوذا الا متمما لذريعة الفداء التي هي أساس الدين عندهم ؟