الشيخ محمد رشيد رضا
439
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن كنهها وكيفيتها ، وحسن الجزاء من المغفرة والإثابة قد يكون من آثارها ، قال تعالى ( 3 : 30 قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) فجعل اتباع الرسول ( ص ) سببا لمحبة اللّه تعالى للمتبعين وللمغفرة ، فكل من المحبة والمغفرة جزاء مستقل إذ العطف يقتضي المغايرة . ( الصفة الثانية ) انهم يحبون اللّه تعالى . وحب المؤمنين الصادقين للّه تعالى ثبت في آيات غير هذه من كتاب اللّه تعالى كقوله ( 2 : 165 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) وقوله تعالى ( 9 : 25 قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) وفي حديث أنس المرفوع في الصحيحين « ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الايمان - ان يكون اللّه ورسوله أحب اليه مما سواهما ، وان يحب المرء لا يحبه الا للّه - وان يكره ان يعود في الكفر بعد إذ انقذه اللّه منه كما يكره ان يلقى في النار » وحديثه الآخر في الصحيحين أيضا : جاء اعرابي إلى النبي « ص » فقال يا رسول اللّه متى الساعة ؟ قال « ما أعددت لها » ؟ قال : ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام الا اني أحب اللّه ورسوله . فقال له رسول اللّه [ ص ] « المرء مع من أحب » قال أنس فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الاسلام فرحهم بذلك . وقد تأول هذا الحب بعض الناس أيضا فقالوا ان المراد به المواظبة على الطاعة إذ يستحيل ان يحب الانسان الا ما يجانسه . ويرد هذا قوله تعالى ( أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ ) فإنه جعل الجهاد غير الحب وحديث الاعرابي المذكور آنفا ، فإنه فرق بين الحب والعمل ، وجعل عدته للساعة الحب دون كثرة العمل الصالح ، نعم ان الحب يستلزم الطاعة ، ويقتضيها بسنة الفطرة ، كما قيل تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته * ان المحب لمن يحب مطيع وقد أطال أبو حامد الغزالي في كتاب المحبة من الاحياء في بيان محبة اللّه