الشيخ محمد رشيد رضا
432
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بعض رجالها الصادقين لها ، يرون أنفسهم مضطرين إلى الاستعانة بنفوذ بعض هذه الدول على بعض . واما الذين استعمر الأجانب بلادهم - بأي صورة من صور الاستعمار واي اسم من أسمائه - فأمر منافقيهم اظهر ، يتقربون إلى الأجانب بما يضر أمتهم حتى فيما لم يكلفوهم إياه ، ويسمون هذا تأمينا لمستقبلهم . واحتياطا لمعيشتهم ، ولو التزموا الصدق في امرهم كله فلم يلقوا أمتهم بوجه والأجانب بوجه لكان خيرا لهم ، وأقرب إلى الجمع بين مصلحة البلاد ومداراة الأجانب . ولكنه النفاق يخدع صاحبه ، بما يظن صاحبه انه يخدع به غيره ، ويسلك سبيل الحزم لنفسه . وهو الذي يحمل بعض المنافقين الخائنين على نهب مال أمتهم ودولتهم ، وايداعه في مصارف أوربة لأجل التمتع به إذا دارت الدائرة على دولتهم . قال اللّه تعالى ردا على منافقي عصر التنزيل فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ اي فالرجاء بفضل اللّه تعالى وصدقه ما وعد به رسوله ( ص ) ان يأتي بالفتح والفصل بين المؤمنين ومن يعاديهم من اليهود والنصارى ، أو بأمر من عنده في هؤلاء المنافقين ، كفضيحتهم أو الايقاع بهم ، فيصبحوا نادمين على ما كتموه واضمروه في أنفسهم من اتخاذ الأولياء على المؤمنين وتوقع الدائرة عليهم . فالفتح في اللغة القضاء والفصل في الشيء وهو يصدق بفتح البلاد وبغير ذلك . ومنه قوله تعالى حكاية ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ ) وقوله ( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ ) وقيل المراد فتح مكة الذي كان به ظهور الاسلام والثقة بقوته وانجاز اللّه وعده لرسوله . ولا يصح هذا القول الا إذا كانت الآيات نزلت قبل فتح مكة ، مع الجزم بان أوائل السورة نزلت بعد ذلك في حجة الوداع . ويمكن حينئذ ان يكون المراد بالفتح فتح بلاد اليهود في الحجاز كخيبر وغيرها . وفسر بعضهم الامر من عنده بالجزية تضرب على أهل الكتاب . فينقطع امل المنافقين منهم ، ويندموا على ما كان من اسرارهم بالولاء لهم . وفسره بعضهم بالايقاع باليهود واجلائهم عن موطنهم ، واخراجهم من حصونهم وصياصيهم ، اما بالقهر ، والإيجاف عليهم بالخيل والركاب [ كبني قريظة ] واما بإلقاء الرعب في قلوبهم ، حتى يعطوا بأيديهم [ كبني النضير ]