الشيخ محمد رشيد رضا

429

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يناسبه ما قلنا آنفا . فهو لا يدل - إذا صح الاحتجاج به - على ما ذكر من عدم معاشرة الكتابي والإقامة معه وان كان ذا ذمة أو عهد ، لا خوف من الإقامة معه ولا خطر ، وقد كان اليهود يقيمون مع النبي ( ص ) ومع الصحابة في المدينة . وكانوا يعاملونهم بالمساواة التامة . حتى أن عليا المرتضى لما تحاكم مع يهودي إلى عمر ( رضي اللّه عنهما ) وخاطبه عمر امام خصمه اليهودي بالكنية ( يا أبا الحسن ) غضب وعاتب عمر انه عظمه امام خصمه . وعمر لم يقصد تمييزه على خصمه وانما جرى لسانه بذلك لتعوده تكريم علي بمخاطبته بالكنية . على أن الحديث ورد في المشركين لا في أهل الكتاب ، وقد فرق الشرع بينهما في عدة مسائل . ألم تر ان اللّه تعالى أباح لنا طعام أهل الكتاب والتزوج بنسائهم دون المشركين ، وهو يقول في حكمة الزوجية وسرها ( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) ؟ وقد جرى الذين يفسرون القرآن من المتأخرين تصنيفا وتدريسا على آثار البيضاوي ، إذ هو الذي يدرس الآن في أكثر الأمصار الاسلامية . وقد اتفق انني لما زرت مدرسة دار الفنون في الآستانة سنة 1328 وطفت على حجرات المدرسين ألفيت مدرس التفسير يفسر هذه الآية ، فلما قرر ما قاله البيضاوي قام أحد طلاب العلم من الترك وقال إذا كان الامر كذلك فلما ذا جعلت الدولة بعض الوزراء والأعيان والمبعوثين والموظفين من النصارى واليهود . . . ؟ فأرتج على المدرس وعرق جبينه - وناهيك بعقاب الحكومة العرفية العسكرية هنالك لمن يطعن في دستورها ! - فقلت للمدرس أتأذن لي ان أجيب هذا السائل ؟ قال نعم . فقمت فبينت لهم ان الولاية في الآية ولاية النصرة بنحو ما قدمته هنا ، وانها لا تدل على عدم جواز استخدام الدولة لغير المحاربين لنا ، ولا هي من هذا السياق في شيء ، فاقتنع السائل والسامع ، وسرّ الأستاذ وسرّي عنه ، وكان لهذا الجواب أحسن الوقع عند مدير قسم الإلهيات والأدبيات من المدرسة ، وبلغه ناظر المعارف فارتاح اليه واعجبه ، فاقترح المدير عليه ان يقرر جعل تدريس التفسير بالعربية - وكذلك الحديث - رجاء ان يعهد إلي به ان أقمت في الآستانة فأجابه إلى ذلك « 1 »

--> ( 1 ) كنت في الآستانة وقتئذ أسعى لتأسيس دار الدعوة والارشاد فيها كما يعلم -