الشيخ محمد رشيد رضا

428

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأمور . وهو خطأ تتبرأ منه لغة الآية في مفرداتها وسياقها كما يتبرأ منه سبب النزول والحالة العامة التي كان عليها المسلمون والكتابيون في عصر التنزيل كما علم مما تقدم . وسبب وقوع البيضاوي في مثل هذا الغلط اعتماده على مثل الكشاف في فهم الآيات دون الرجوع إلى تفاسير السلف . على أن صاحب الكشاف ارسخ منه في اللغة قدما ، وأدق فهما وذوقا ، ولذلك بدأ تفسير الولاية بقوله « تنصرونهم وتستنصرونهم » وهو المعنى الصحيح ، وعطف عليه ولاية الاخوة والمودة ، فأخذ البيضاوي المعنى الثاني بعبارة تستحق من النقد ما لا تستحقه عبارة الزمخشري . وأخطأ كل منهما في ايراد حديث « لا تتراءى ناراهما » في هذا المقام ، وكل منهما قليل البضاعة في علم الحديث . فالحديث ورد في وجوب الهجرة من ارض المشركين إلى النبي ( ص ) لنصرته ، رواه أهل السنن - اما أبو داود فرواه من حديث جرير بن عبد اللّه وذكر ان جماعة لم يذكروا جريرا اي رووه مرسلا ، وهو الذي اقتصر عليه النسائي . واخرجه الترمذي مرسلا وقال : وهذا أصح . ونقل عن البخاري تصحيح المرسل . ولكنه لم يخرجه في صحيحه ولا هو على شرطه . والاحتجاج بالمرسل فيه الخلاف المشهور في علم الأصول . ولفظ الحديث : بعث رسول اللّه ( ص ) سرية إلى خثعم ، فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي ( ص ) فأمر لهم بنصف العقل ( اي الدية ) وقال « انا بريء من كل مسلم يقيم بين اظهر المشركين - قالوا يا رسول اللّه لم ؟ قال - لا تتراءى ناراهما » فجعل لهم نصف الدية وهم مسلمون لأنهم أعانوا على أنفسهم وأسقطوا نصف حقهم بإقامتهم بين المشركين المحاربين للّه ولرسوله ( ص ) وشدد في مثل هذه الإقامة التي يترتب عليها مثل ذلك من القعود عن نصر اللّه ورسوله . واللّه تعالى يقول في أمثال هؤلاء ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) فنفى تعالى ولاية المسلمين غير المهاجرين إذ كانت الهجرة واجبة ، فلأن ينفي ولاية اليهود والنصارى - وقد كانوا محاربين أيضا - أولى . فذكر هذا الحديث في تفسير هذه الآية لا يصح وضعه في الموضع الذي وضعه فيه الزمخشري والبيضاوي ، وانما