الشيخ محمد رشيد رضا
427
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد جعل المتأخرون من المفسرين - كالزمخشري والبيضاوي ومن تابعهما - الولاية بمعنى المودة وحسن المعاملة واستخدام المخالفين من أهل الكتاب . واستدلوا بحديث « لا تتراءى ناراهما » ودعموا ذلك بأمر عمر ( رض ) لأبي موسى الأشعري بعزل كاتبه النصراني . والسياق يأبى ذلك كما تقدم . وقد حلول المتقدمون جعل النهي خاصا بمن نزل فيهم مع جعل الولاية ولاية النصرة ، وما ابعد الفرق بين الفريقين قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري « والصواب من القول في ذلك عندنا ان يقال : ان اللّه تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا ان يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الايمان باللّه ورسوله ، واخبر انه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون اللّه ورسوله فإنه منهم في التحزب على اللّه وعلى رسوله والمؤمنين ، وان اللّه ورسوله منه بريئان . وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد اللّه بن أبي بن سلول وحلفائهما من اليهود ، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة ، ويجوز أن تكون في شأن الرجلين اللذين ذكر السدي ان أحدهما أراد اللحاق بذلك اليهودي والآخر بنصراني بالشام . ولم يصح بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجته فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل . فإذا كان ذلك كذلك فالصواب ان يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عم ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه ، غير أنه لا شك ان الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى جزعا على نفسه من دوائر الدهر ، لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك » اه وقال البيضاوي في تفسير النهي عن اتخاذهم أولياء : فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب . « بعضهم أولياء بعض » : إيماء إلى علة النهي ، اي فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين واجتماعهم على مضادتكم « ومن يتولهم منكم فإنه منهم » اي ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم . وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال عليه الصلاة والسّلام « لا تتراءى ناراهما » أو لأن الموالين لهم كانوا منافقين ، اه هكذا خص البيضاوي الولاية بمعاشرة المحبة والاعتماد على الاشخاص في