الشيخ محمد رشيد رضا

426

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وغيرهم ، لأنه مقدمة للانكار على مرضى القلوب الذين يتخذون لهم اليد عندهم لعدم ثقتهم ببقاء الاسلام وثبات أهله . ولولا هذا لجوز ان يكون النهي لجملة المسلمين أيضا ، لا لأن من أصول الدين ان لا يحالف أهله من يخالفهم فيه ، كيف - وقد كان النبي ( ص ) حالف يهود المدينة عقب الهجرة ؟ بل لأن القوم كانوا في حنق شديد على الاسلام ، وحسد للعرب على ما آتاهم اللّه من فضله ، فلا يوثق بوفائهم . بعد ما كان من خيانتهم وغدرهم ، ولكن هذا غير مراد من الآية ، بل السياق يدل على الوجه الأول وهو ان يوالي افراد أو جماعات من المسلمين أولئك اليهود والنصارى المعادين للنبي والمؤمنين ويعاهدونهم على التناصر من دون المؤمنين ، رجاء ان يحتاجوا إلى نصرهم ، إذا خذل المسلمون وغلبوا على امرهم . ونكتة التعبير عنهم باليهود والنصارى دون أهل الكتاب هي ان معاداتهم للنبي والمؤمنين انما كانت بحسب جنسياتهم السياسية لا من حيث إن كتابهم يأمرهم بذلك * * * هذا النهي عن ولاية أهل الكتاب مثل النهي عن ولاية المشركين في قوله تعالى ( 60 : 1 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) الخ وقد نزلت في حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى قريش يخبرهم بعزم النبي ( ص ) على حربهم لأن له عندهم مالا واهلا فأراد ان يتخذ عندهم يدا لأجل حماية أهله . والنهي عن الشيء لسبب من الأسباب لا يتناول من لم يتحقق فيهم ، ولا ينافي زوال النهي بزوال سببه . ولذلك قال تعالى بعد هذا النهي في هذه السورة ( الممتحنة ) 60 : 7 عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ، وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - 8 - لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - 9 - إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) فهذه الآيات نص صريح في كون النهي عن الولاية لأجل العداوة وكون القوم حربا ، لا لأجل الخلاف في الدين لذاته ، فان النبي ( ص ) لما حالف اليهود كتب في كتابه « لليهود دينهم وللمسلمين دينهم » كما امره اللّه ان يقول لجميع المخالفين ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ )