الشيخ محمد رشيد رضا

422

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من دينهم ، وعدم اهتدائهم إلى دينك ، فان كثيرا من الناس قد صار الفسوق والعصيان والتمرد من صفاتهم الثابتة التي لا تنفك عنهم . * * * أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ الجمهور يَبْغُونَ بفعل الغيبة لأنه حكاية عن اليهود ، وقرأه ابن عامر « تبغون » على الالتفات لمخاطبتهم ، والاستفهام للانكار والتعجيب المتضمن للتوبيخ ، اي ايتولون عن حكمك بالحق فيبغون حكم الجاهلية المبني على الهوى وترجيح القويّ على الضعيف ؟ روي أن هذا نزل في خصومة مما كان بين بني النضير وبني قريظة من جعل دية القريظي ضعفي دية النضيري لمكان القوة والضعف . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اي لا أحد أحسن حكما من حكم اللّه تعالى لقوم يوقنون بدينه ، ويذعنون لشرعه ، لان هذا الحكم يجمع الحسنيين - منتهى العدل والتزام الحق من الحاكم ، ومنتهي القبول والاذعان من المحكوم له والمحكوم عليه . وهذا مما تفضل به الشريعة الإلهية القوانين البشرية . وقيل إن اللام هنا بمعنى عند أو للبيان اي ان حكمه تعالى أحسن الاحكام عند الموقنين وفي نظرهم ، وان جهل ذلك غيرهم . ومضمون الآية ان مما ينبغي التعجب منه من منكراتهم انهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر ، ويؤثرونه على حكم اللّه العادل ، والحال ان حكمه تعالى أحسن الاحكام ، لأهل الايمان والاسلام . لأن حكمه هو العدل ، الذي يستقيم به أمر الخلق ، وأما حكم الجاهلية فهو تفضيل القوي على الضعيف ، الذي يمكن الظالمين الأقوياء ، من استذلال أو استئصال الضعفاء ، وهو شر الاحكام ، المخرب للعمران المفسد للنظام . ومن العبرة في الآيات أنه يوجد بين المسلمين الجغرافيين « 1 » في هذا العصر ، من هم أشد فسادا في دينهم وأخلاقهم من أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآيات ، ومن ذلك أنهم يرغبون عن حكم اللّه إلى حكم غيره ، ويرون أن استقلال البشر بوضع الشرائع خير من شرع اللّه تعالى ، على أنهم لا يعرفون أصول شرع اللّه ولا قواعده ، بل يظنون أنه محصور في هذه الكتب الفقهية - التي أكثر ما فيها من

--> ( 1 ) المسلمون الجغرافيون الذين يعدون مسلمين في احصاء الجغرافية كما قلنا مرارا