الشيخ محمد رشيد رضا

40

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عيسى بن مريم وأنقذه من أعدائه ، فألقى شبهه على غيره وغير شكله هو فخرج من بينهم وهم لا يشعرون . وفي اناجيلهم وكتبهم جمل متفرقة تؤيد هذا الوجه أشرنا إلى بعضها من قبل ( منها ) قوله لهم انهم يشكون فيه يومئذ ( ومنها ) انه يتشكل بغير شكله . ( ومنها ) انه طلب من اللّه ان يعبر عنه هذه الكأس أي قتله وصلبه ان أمكن . ولا شك ان هذا من الممكنات الخاضعة لمشيئة اللّه وقدرته . ويمكن ان يستدل على استجابة اللّه لدعائه بقول يوحنا حكاية عنه في سياق قصة الصلب من آخر الفصل 16 « ولكن ثقوا انا قد غلبت العالم » قال هذا بعد إخبارهم بأنه تأتي ساعة يتفرقون عنه ويبقى وحده ولكن اللّه يكون معه ، اي بعونه وحفظه . وفي هذا المعنى قول متى ( 26 : 56 حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا ) وقول مرقص ( 14 : 50 فتركه الجميع وهربوا ) فهذا نص في أن التلاميذ كلهم هربوا حين جاء الجند ليقبضوا على المسيح فلم يكن الذين يعرفونه حق المعرفة هنالك ومما يدل على استجابة اللّه دعوته بأن ينقذه ويعبر عنه تلك الكأس عبارة المزمور 109 التي يقولون إن المراد بها المسيح وهذا نصها « 26 أعني يا رب الهي خلصني حسب رحمتك 27 وليعلموا ان هذه يدك أنت يا رب فعلت هذا 28 اما هم فيلعنون واما أنت فتبارك ، قاموا وخزوا ، أما عبدك فيفرح 29 ليلبس خصمائي خجلا وليتعطفوا بخزيهم كالرداء 30 احمد الرب جدا بفمي وفي وسط كثيرين أسبحه 31 لأنه يقوم عن يمين المسكين ليخلصه من القاضين على نفسه » وفي العبارات التي يحملونها على المسيح شواهد أخرى بمعنى هذا ( الشبهة السابعة ) يقولون : إذا كان المسيح قد نجا من أعدائه بعناية آلهية خاصة ، فأين ذهب ؟ ولما ذا لم يقف له أحد على عين ولا أثر ؟ والجواب ان هذه الشبهة لا نرد على الذين يقولون إنه رفع بروحه وجسده إلى السماء ، وانما ترد على الذين قالوا إن اللّه توفاه في الدنيا ثم رفعه اليه كما رفع إدريس عليهما السّلام . ويقول هؤلاء لا غرابة في الامر فان أخاه موسى عليه السّلام كان بين الألوف من قومه ، الخاضعين لامره ونهيه ، وقد انفرد عنهم ، ومات في مكان لم يعرفه أحد منهم ، فكيف يستغرب ان يفرّ عيسى عليه السّلام