الشيخ محمد رشيد رضا
415
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأمة ، فالاختلاف فيه يجعل الاصلاح افسادا ، والدواء داء . ولذلك قال تعالى ( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) وقال ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ولو كانت الآية عامة في الدين والشريعة لكان معناها ان ما شرعه اللّه لنا هو عين ما شرعه لنوح والنبيين من بعده ، ولم يكن معناها اننا مخاطبون بالاحكام العملية التي شرعها اللّه لقوم نوح ومن بعده . وكون ما شرعه لنا هو عين ما شرعه لهم مناقض لقوله « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » وكيف يتصور عاقل ان يكون المراد من الآية ان كل ما شرعه اللّه لقوم نوح هو شرع لنا إذا لم يرد في شريعتنا ما ينسخه ؟ وهو خبر لا فائدة فيه ، إذ لا علم لنا بما شرعه تعالى لقوم نوح ، وكلام اللّه منزه عن العبث ؟ وأما قوله تعالى في سورة الأنعام ( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) فقد جاء بعد ذكر هدايته تعالى لطائفة من الأنبياء والمرسلين ، فلا يمكن ان يراد به العمل بشرائعهم العملية ، لعدم إعلامه تعالى بها ، وعدم الثقة باعلام غيره - ان وجد - ولاختلافها ونسخ بعضها بعضا . قال بعض المحققين : ولا يجوز أيضا ان يراد بذلك الاقتداء بهم في العقائد وأصول الدين ، لأن الاقتداء تقليد ، والعقائد لا تصح الا بالعلم اليقيني بالبرهان العقلي أو السمعي ، وقد أبطل اللّه التقليد في كتابه فلا يقبله من آحاد الناس ، فكيف يأمر به خاتم المرسلين ، الذي هو في مقام حق اليقين ؟ ولأنه صلّى اللّه عليه وسلّم عند نزول هذه الآية كان عالما بالعقائد داعيا إليها ، ولا معنى لان يكون أمره بالاقتداء أمرا بالثبات عليها . والصواب ان المراد بالاقتداء هنا موافقة سنتهم وسيرتهم في دعوة أقوامهم إلى الدين والصبر على أذاهم ، ونحو ذلك من خلائقهم الحسنة التي بينها اللّه تعالى في سيرتهم كما قال ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) وقال تعالى ( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) أي ولا تستعجل لقومك العذاب كما استعجل بعضهم . ولو دلت هذه الآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا لدلّ عليها قوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) أيضا ، ولكنا مأمورين بأن نتبع من دون النبيين ، من الصديقين والشهداء والصالحين ، في جميع أحكام