الشيخ محمد رشيد رضا

416

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شرائعهم ، وجزئيات أعمالهم . كلا ان المراد بالهداية في هذا الباب هداية القلوب بما وفقها اللّه له من الاخلاص ونور البصيرة ، وحب الحق والخير وتحريهما في العلم والعمل ، والوقوف عند حدود اللّه تعالى . فهم بهذا كانوا مهتدين ، وهذا هداهم وصراطهم ، لا احكام الشرائع التي خوطب بها من عمل بها ومن لم يعمل . لعمري ان الحق في هذه المسألة واضح كالصبح بل هو أوضح . ولكن أكثر المصنفين المقلدين جروا على سنة سيئة . وهي ان يأخذوا أقوال العلماء الذين ينتسبون إليهم قضايا مسلمة ، ويلتمسون الدلائل لاثباتها وإبطال ما خالفها دليلا ومدلولا ولو بالتمحمل والتأول والاحتمال ، فالأدلة عندهم تابعة لا متبوعة ، فما وافق الأصل المسلم عندهم ولو بادي الرأي قبلوه ، وما خالفه وأبطله اعرضوا عنه وتركوه ، أو حرفوه وتأولوه . والا فمن المعلوم من الدين بالضرورة ان اللّه قد أكمل الدين بديننا ، وختم النبيين بنبينا ، وأرسله للناس كافة ، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، وأن جميع الشرائع قبله كانت موقتة ، وشريعته هي الشريعة الدائمة ، وحكمة ذلك معروفة بين العلماء ، لم تكن محل خلاف بين المذاهب ولا بين الافراد ، وهي ان هذه الشريعة الكاملة السمحة صالحة لكل زمان وكل مكان ، وحكمة نسخ الشرائع الماضية عدم صلاحيتها لغير أهلها ، وعدم صلاحيتها للدوام في أهلها ، ويؤيد هذا جملة ما في الأيدي من التوراة والإنجيل ، فكل من اطلع عليهما ، يعلم علم اليقين انه لا طاقة للبشر في هذا العصر باقامتهما . فشدة أحكام التوراة في العبادات وأحكام المعاملات المدنية والقتال لا يمكن ان تعمل به أمة . ولشدة أحكام الإنجيل في الزهد وترك الدنيا ، والخضوع لكل حاكم وكل معتد ، لا يمكن أن تكون عليه أمة - فإذا كان الامر كذلك فهل يعقل أن تكون تلك الشرائع الخاصة الموقوتة - التي نسختها شريعتنا لإكمال الدين بما يناسب ارتقاء البشر - شريعة دائمة لنا يجب علينا العمل بها ، وان يعد هذا أصلا من أصولنا ؟ ؟ يا ضيعة الوقت الذي نصرفه في رد هذا القول ، بل يا ضيعة الحبر والورق الذي يصرف في سبيله ، لولا انه صار ضروريا بتلك الشبهات التي فتن بها كثير من الأذكياء كالسعد التفتازاني وأضرابه وجملة القول إن دين اللّه تعالى على ألسنة أنبيائه واحد في أصوله ومقاصده ،