الشيخ محمد رشيد رضا
411
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والاعراض عن الحكم والعمل بها ، فهو يحكم عليها لأنه جاء بعدها . روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : « وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » يعني أمينا عليه ، يحكم على ما كان قبله من الكتب . وفي رواية عنه عند الفريابي وسعيد بن منصور والبيهقي ورواة التفسير المأثور قال : مؤتمنا عليه . وفي رواية أخرى قال : شهيدا على كل كتاب قبله . لسان العرب : وقال ابن الأنباري في قوله « وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » قال المهيمن ( أي من أسماء اللّه ) القائم على خلقه ، وأنشد : ألا إن خير الناس بعد نبيه * مهيمنه التاليه في العرف والنكر ( قال ) معناه : القائم على الناس بعده . وقيل القائم بأمور الخلق . ( قال ) وفي المهيمن خمسة أقوال - قال ابن عباس : المهيمن المؤتمن . وقال الكسائي المهيمن الشهيد . وقال غيره : هو الرقيب ، يقال هيمن يهيمن هيمنة إذا كان رقيبا على الشيء . وقال أبو معشر : « وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » معناه وقبّانا عليه . وقيل وقائما على الكتب . اه والظاهر من مجموع الأقوال ان المهيمن على الشيء هو من يقوم بشؤونه ويكون له حق مراقبته والحكم في أمره بحق ، كما وصف بذلك أبو بكر ( رض ) في قيامه بأعباء خلافة الرسول ( ص ) . والقيام بالامر يستلزم المراقبة والائتمان والشهادة عليه . ومن الغرائب ان بعض المفسرين فهم من هيمنة القرآن على الكتب التي قبله أنه يشهد لها بالحفظ من التحريف والتبديل ! . واللفظ لا يدل على هذا المعنى ، فإذا كان معنى المهيمن الشهيد فهل يصح أن يتحكموا في شهادته كما يشاؤن ؟ أم الواجب عليهم الرجوع إلى ما قاله في شأن هذه الكتب وأهلها ، لأنه هو نص شهادته لها ولهم ، أو عليها وعليهم ؟ والقرآن يفسر بعضه بعضا - وحسبهم أنه قال في هذه السورة نفسها في كل من أهل التوراة والإنجيل انهم نسوا حظا مما ذكروا به ، كما قال في سورة النساء قبلها انهم « أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » . وقال فيهما جميعا انهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه . وقال النبي ( ص ) « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا ( آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) * الآية » رواه البخاري في صحيحه ، وذكر ان سببه انه كان بعض أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها لبعض المسلمين بالعربية ، فنهاهم ( ص ) عن الاستماع إليهم وقبول كلامهم بهذا الحديث .