الشيخ محمد رشيد رضا

412

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يوضحه ما رواه أحمد والبزار - واللفظ له - من حديث جابر قال : نسخ عمر كتابا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي ( ص ) فجعل يقرأ - ووجه النبي ( ص ) يتغير - فقال له رجل من الأنصار : ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول اللّه ( ص ) فقال رسول اللّه ( ص ) « لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، وانكم اما ان تكذبوا بحق أو تصدّقوا بباطل . واللّه لو كان موسى بين أظهركم ما حل له الا اتباعي » وورد في هذا المعنى أحاديث أخرى ضعيفة . والمراد من النهي عن سؤالهم النهي عن سؤال الاهتداء ، وتلقي ما يرونه بالقبول ، لأجل العلم بالشرائع الماضية وأخبار الأنبياء ، لزيادة العلم أو لتفصيل بعض ما أجمله القرآن . وسببه ما هو ظاهر من السياق ، وهو أنهم لنسيانهم بعض ما أنزل إليهم وتحريفهم لبعضه بطلت الثقة بروايتهم ، فالمصدق لها عرضة لتصديق الباطل ، والمكذب لها عرضة لتكذيب الحق ، إذ لا يتيسر لنا ان نميز فيما عندهم بين المحفوظ السالم من التحريف وغيره ، فالاحتياط أن لا نصدقهم ولا نكذبهم . الا إذا رووا شيئا يصدقه القرآن أو يكذبه ، فانا نصدق ما صدقه ، ونكذب ما كذبه ، لأنه مهيمن على تلك الكتب وشهيد عليها ، وشهادته حق ، لأنه نزل بالحق ، وحفظه اللّه من التحريف والتبديل ، بتوفيق المسلمين لحفظه في الصدور والسطور ، من زمن النبي ( ص ) إلى اليوم ، وسيحفظه كذلك إلى آخر الزمان ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) ولا يعارض هذا قوله تعالى ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) * لان ذلك ورد في السؤال عن أمر متواتر قطعي وهو أن الرسل كانوا رجالا يوحى إليهم . فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي إذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته مما قبله - وهو أنه قائم بأمر الدين بعدها ، ورقيب وشهيد عليها ، فاحكم بين أهل الكتاب بما أنزل اللّه إليك من الاحكام والحدود ، دون ما أنزله إليهم ، لأن شرعك ناسخ لشرائعهم وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ أي ولا تتبع ما يهوون - وهو الحكم بما يسهل عليهم ويخف احتماله - مائلا بذلك عما جاءك من الحق الذي لامرية فيه ولا ريب ، ولو إلى ما صح من شريعتهم بما نقصه عليك منها لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً فهذه الجملة استئناف بياني لتعليل الامر والنهي قبلها . أي لكل رسول