الشيخ محمد رشيد رضا

408

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الفاسدة جائزة في دار الحرب واستدل له بمناحبة ( مراهنة ) أبي بكر ( رض ) لابيّ ابن خلف على أن الروم يغلبون الفرس في بضع سنين وإجازة النبي ( ص ) ذلك ، وصرحوا بعدم إقامة الحدود فيها ، روي ذلك عن عمرو أبي الدرداء وحذيفة وغيرهم وبه قال أبو حنيفة . قال في أعلام الموقعين : « وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الاسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدوّ ، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال لا يقام الحد على مسلم في أرض العدوّ . وقد أتى بسر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة فقال لولا اني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعتك » : رواه أبو داود وقال أبو محمد المقدسي وهو اجماع الصحابة . روى سعيد بن منصور في سننه باسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه ان عمر كتب إلى الناس ان لا يجلدوا أمير جيش ولا سرية ولا رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار . وعن أبي الدرداء مثل ذلك ، ثم ذكر ترك سعد إقامة حد السكر على أبي محجن في وقعة القادسية وذكر أنه قد يحتج به من يقول لاحد على مسلم في دار الحرب كما يقول أبو حنيفة ، ولكنه علله تعليلا آخر ليس هذا محل ذكره . وانظر تعليل عمر نجده يصح في بلاد الحرب فعلم مما تقدم أن الاحكام القضائية التي أنزلها اللّه تعالى قليلة جدا وقد علمت ما قيل في اقامتها في دار الحرب لا سيما عند الحنفية . فإذا كانت الحدود لا تقام هناك فقد عادت أحكام العقوبات كلها إلى التعزير الذي يفوض إلى اجتهاد الحاكم . والاحكام المدنية أولى بذلك لأنها اجتهادية أيضا ، والنصوص القطعية فيها عن الشارع قليلة جدا . وإذا رجعت الاحكام هناك إلى الرأي والاجتهاد في تحري العدل والمصلحة وأجزنا للمسلم ان يكون حاكما عند الحربي في بلاده لأجل مصلحة المسلمين فالذي يظهر أنه لا بأس من الحكم بقانونه لأجل منفعة المسلمين ومصلحتهم . فإن كان ذلك القانون ضارا بالمسلمين ظالما لهم فليس له ان يحكم به ولا أن يتولى العمل لواضعه إعانة له وجملة القول أن دار الحرب ليست محلا لإقامة احكام الاسلام ، ولذلك تجب الهجرة منها الا لعذر أو مصلحة للمسلمين ، يؤمن معها من الفتنة في الدين . وعلى من أقام ان يخدم المسلمين بقدر طاقته ، ويقوي أحكام الاسلام بقدر استطاعته ، ولا وسيلة لتقوية نفوذ الاسلام وحفظ مصلحة المسلمين مثل تقلد أعمال الحكومة ، ولا سيما إذا كانت الحكومة متساهلة قريبة من العدل بين جميع الأمم والملل كالحكومة الانكليزية .