الشيخ محمد رشيد رضا

409

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمعروف أن قوانين هذه الدولة أقرب إلى الشريعة الاسلامية من غيرها ، لأنها تفوض أكثر الأمور إلى اجتهاد القضاة ، فمن كان أهلا للقضاء في الاسلام وتولى القضاء في الهند بصحة قصد وحسن نية يتيسر له ان يخدم المسلمين خدمة جليلة . وظاهر ان ترك أمثاله من أهل العلم والغيرة للقضاء وغيره من أعمال الحكومة تأثما من العمل بقوانينها يضيع على المسلمين معظم مصالحهم في دينهم ودنياهم . وما نكب المسلمون في الهند ونحوها وتأخروا عن الوثنيين الا بسبب الحرمان من أعمال الحكومة . ولنا العبرة في ذلك بما يجري عليه الأوربيون في بلاد المسلمين ، إذ يتوسلون بكل وسيلة إلى تقلد الاحكام ، ومتى تقلدوها حافظوا على مصالح أبناء ملتهم وجنسهم ، حتى كان من أمرهم في بعض البلاد ان صاروا أصحاب السيادة الحقيقية فيها ، وصار حكامها الأولون آلات في أيديهم والظاهر مع هذا كله ان قبول المسلم للعمل في الحكومة الانكليزية في الهند ( ومثلها ما هو في معناها ) وحكمه بقانونها هو رخصة تدخل في قاعدة ارتكاب أخف الضررين ، ان لم يكن عزيمة يقصد بها تأييد الاسلام وحفظ مصلحة المسلمين . ذلك ان تعده من باب الضرورة التي نفذ بها حكم الامام الذي فقد أكثر شروط الإمامة ، والقاضي الذي فقد أهم شروط القضاء ، ونحو ذلك . فجميع حكام المسلمين في أرض الاسلام اليوم حكام ضرورة . وعلم مما تقدم ان من تقلد العمل للحربي لأجل ان يعيش براتبه فهو ليس من أهل هذه الرخصة ، فضلا عن أن يكون من أصحاب العزيمة . واللّه أعلم [ تنبيه ] دار الحرب بلاد غير المسلمين وان لم يحاربوا . وكانت القاعدة ان كل من لم يعاهدنا على السلم يعد محاربا * * * ( 51 ) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( تفسير القرآن ) ( 52 ) ( الجزء السادس )