الشيخ محمد رشيد رضا

407

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في السنن عن ابن عباس ( رض ) أنه قال في الكفر الواقع في احدى الآيات الثلاث : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون اليه إنه ليس كفرا ينقل عن الملة ، كفر دون كفر . وذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروط بشرط معروف من القواعد العامة وهو ان من لم يحكم بما أنزل اللّه منكرا له أو راغبا عنه لاعتقاده بأنه ظلم مع علمه بأنه حكم اللّه أو نحو ذلك مما لا يجامع الايمان والاذعان . ولعمري أن الشبهة في الامراء الواضعين للقوانين أشد والجواب عنهم أعسر ، وهذا التأويل في حقهم لا يظهر ، وان العقل ليعسر عليه ان يتصور أن مؤمنا مذعنا لدين اللّه يعتقد ان كتابه يفرض عليه حكما ثم هو يغيره باختياره ويستبدل به حكما آخر بإرادته اعراضا عنه وتفضيلا لغيره عليه ويعتد مع ذلك بايمانه واسلامه . والظاهر أن الواجب على المسلمين في مثل هذه الحال مع مثل هذا الحاكم ان يلزموه بابطال ما وضعه مخالفا لحكم اللّه ولا يكتفوا بعدم مساعدته عليه ومشايعته فيه فإن لم يقدروا فالدار لا تعتبر دار اسلام فيما يظهر ، وللاحكام فيها حكم آخر ، وههنا يجيء سؤال السائل . وقبل الجواب عنه لا بد من ذكر مسألة يشتبه الصواب فيها على كثير من المسلمين وهي : إذا غلب العدوّ على بعض بلاد المسلمين وامتنعت عليهم الهجرة فهل الصواب ان يتركوا له جميع الأحكام ولا يتولوا له عملا أم لا ؟ يظن بعض الناس ان العمل للكافر لا يحل بحال والظاهر لنا ان المسلم الذي يعتقد انه لا ينبغي ان يحكم المسلم إلا المسلم ، وان جميع الأحكام يجب أن تكون موافقة لشريعته وقائمة على أصولها العادلة ينبغي له أن يسعى في كل مكان بإقامة ما يستطيع اقامته من هذه الأحكام ، وان يحول دون تحكم غير المسلمين بالمسلمين بقدر الامكان . وبهذا القصد يجوز له أو يجب عليه ان يقبل العمل في دار الحرب الا إذا علم أن عمله يضر المسلمين ولا ينفعهم ، بل يكون نفعه محصورا في غيرهم ، ومعينا للمتغلب على الاجهاز عليهم . وإذا هو تولى لهم العمل وكلف الحكم بقوانينهم فما ذا يفعل وهو مأمور بأن يحكم بما أنزل اللّه ؟ أقول : ان الاحكام المنزلة من اللّه تعالى منها ما يتعلق بالدين نفسه كأحكام العبادات وما في معناها كالنكاح والطلاق وهي لا تحل مخالفتها بحال ، ومنها ما يتعلق بأمر الدنيا كالعقوبات والحدود والمعاملات المدنية والمنزل من اللّه تعالى في هذه قليل وأكثرها موكول إلى الاجتهاد . وأهم المنزل وآكده الحدود في العقوبات ، وسائر العقوبات تعزير مفوض إلى اجتهاد الحاكم ، والربا في الاحكام المدنية . وقد ورد في السنة النهي عن إقامة الحدود في ارض العدو ، وأجاز بعض الأئمة الربا فيها بل مذهب أبي حنيفة أن جميع العقود