الشيخ محمد رشيد رضا

406

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الحكم بالقوانين الانكليزية في الهند ) ( س 77 ) ومنه : أيجوز للمسلم المستخدم عند الانكليز الحكم بالقوانين الانكليزية وفيها الحكم بغير ما أنزل اللّه ( ج ) أن هذا السؤال يتضمن مسائل من أكبر مشكلات هذا العصر كحكم المؤلفين للقوانين وواضعيها لحكوماتهم وحكم الحاكمين بها والفرق بين دار الحرب ودار الاسلام فيها . واننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفار أخذا بظاهر قوله تعالى « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ » ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الامراء والسلاطين الواضعين للقوانين فإنهم وان لم يكونوا ألفوها بمعارفهم فإنها وضعت باذنهم وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها ويقول الحاكم من هؤلاء : أحكم باسم الأمير فلان ، لأنني نائب عنه باذنه ، ويطلقون على الأمير لفظ ( الشارع ) أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين بل لم يقل به أحد قط فان ظاهرها يتناول من لم يحكم بما انزل اللّه مطلقا سواء حكم بغير ما أنزل اللّه تعالى أم لا . وهذا لا يكفره أحد من المسلمين حتى الخوارج الذين يكفرون الفساق بالمعاصي ومنها الحكم بغير ما أنزل اللّه . واختلف أهل السنة في الآية فذهب بعضهم إلى أنها خاصة باليهود وهو ما رواه سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : انما أنزل اللّه « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ * و الظَّالِمُونَ * و الْفاسِقُونَ » * في اليهود خاصة . وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » الخ ليس في أهل الاسلام منها شيء هي في الكفار . وذهب بعضهم إلى أن الآية الأولى التي فيها الحكم بالكفر للمسلمين والثانية التي فيها الحكم بالظلم لليهود والثالثة التي فيها الحكم بالفسق للنصارى وهو ظاهر السياق . وذهب آخرون إلى العموم فيها كلها ويؤيده قول حذيفة لمن قال إنها كلها في بني إسرائيل : نعم الاخوة لكم بنو إسرائيل ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة ، كلا واللّه لتسلكن سبيلهم قدّ الشراك : رواه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم وصححه . وأول هذا الفريق الآية بتأويلين فذهب بعضهم إلى أن الكفر هنا ورد بمعناه اللغوي للتغليظ لا معناه الشرعي الذي هو الخروج من الملة واستدلوا بما رواه ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي