الشيخ محمد رشيد رضا

405

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والسياق يدل على ما ذكرنا من التعليل وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الايمان وترجمان الدين ، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء بالعدل والمساواة ، فمن لم يحكم بذلك فهو الظالم في حكمه كما هو ظاهر . وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته لا بحسب ظواهر الالفاظ فقط ، فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا بها فهم الفاسقون بالمعصية ، والخروج من محيط تأديب الشريعة . وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والاحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم . وتركوا بالحكم بها بعض ما انزل اللّه عليهم . فالذين يتركون ما انزل اللّه في كتابه من الاحكام من غير تأويل يعتقدون صحته فإنه يصدق عليهم ما قاله اللّه تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها ، كل بحسب حاله . فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعا . ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم ان كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه ، والا فهو فاسق فقط ، إذ لفظ الفسق أعم هذه الالفاظ ، فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس . وحكم اللّه العام المطلق الشامل لما ورد فيه النص ولغيره مما يعلم بالاجتهاد والاستدلال هو العدل ، فحيثما وجد العدل فهناك حكم اللّه - كما قال أحد الاعلام - ولكن متى وجد النص القطعي الثبوت والدلالة لا يجوز العدول عنه إلى غيره الا إذا عارضه نص آخر اقتضى ترجيحه عليه كنص رفع الحرج في باب الضرورات . وقد كان مولوي نور الدين مفتي بنجاب من الهند سأل شيخنا الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى عن أسئلة منها مسألة الحكم بالقوانين الانكليزية فحولها إلى الأستاذ لأجيب عنها كما كان يفعل في أمثالها أحيانا . وهذا نص جوابي عن مسألة الحكم بالقوانين الانكليزية في الهند ، وهو الفتوى ال 77 من فتاوى المجلد السابع من المنار