الشيخ محمد رشيد رضا

404

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال : اقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال : لا بل نزلت علينا . ثم لقيت مقسما مولى ابن عباس فسألته عن هؤلاء الآيات التي في المائدة ، قلت : زعم قوم انها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا ، قال : انه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا ، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم . ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته - وذكر انه ذكر له ما قاله سعيد ومقسم - قال : قال صدق ولكنه كفر ليس ككفر الشرك ، وظلم ليس كظلم الشرك ، وفسق ليس كفسق الشرك . فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال . فقال سعيد بن جبير لابنه : كيف رأيته ؟ قال : لقد وجدت له فضلا عظيما عليك وعلى مقسم . والمراد ان عدم الحكم بما انزل اللّه أو تركه إلى غيره - وهو المراد - لا يعد كفرا بمعنى الخروج من الدين ، بل بمعنى أكبر المعاصي وأقول : ان قول من قال إن هذه الآيات أو خواتم الآيات نزلت على بني إسرائيل . يراد به انها نزلت في شأنهم لا انها من كتابهم ، إذ لا شيء يدل على أنها محكية ، وإلا فهو خطأ . والأوليان منها في سياق الكلام على اليهود والثالثة في سياق الكلام على النصارى لا يجوز فيها غير ذلك . وعبارتها عامة لا دليل فيها على الخصوصية . ولا مانع يمنع من إرادة الكفر الأكبر في الأولى - وكذا الاخريان - إذا كان الاعراض عن الحكم بما أنزل اللّه ناشئا عن استقباحه وعدم الإذعان له وتفضيل غيره عليه ، وهذا هو المتبادر من السياق في الأولى بمعونة سبب النزول كما رأيت في تصويرنا للمعنى . وإذا تأملت الآيات أدنى تأمل تظهر لك نكتة التعبير بوصف الكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية وبوصف الفسوق في الثالثة ، فالألفاظ وردت بمعانيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء . ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وانزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه . وختم الكلام ببيان ان كل معرض عن الحكم به لعدم الاذعان له ، رغبة عن هدايته ونوره ، مؤثرا لغيره عليه ، فهو الكافر به . وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب إلى اللّه ، وهذا هو العاصي بترك الحكم الذي يتحامى أهل السنة القول بتكفيره ،