الشيخ محمد رشيد رضا

38

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ان كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا 40 فأجاب الآخر وانتهره » الخ وفيه ان المسيح بشر هذا بأنه يكون معه في الفردوس ذلك اليوم ، فكانت نبوة الكتاب ( المراد به أشعيا ) انه يصلب مع أئمة بصيغة الجمع ثم كان الجمع اثنين ولا بأس بذلك . ولكن كيف يقول اثنان من الإنجيليين المعصومين على رأيهم ان الذي عيره واهانه هو أحدهما والآخران وهما مثله في عصمته يقولان بل كلاهما عيراه ؟ ومثل هذه المخالفات والمعارضات في هذه القصة كثيرة ، ومن أظهرها مسألة دفنه ليلة السبت وقيامه من القبر قبل فجر يوم الأحد . مع أن البشارة أنه يكون في بطن الأرض ثلاثة أيام بلياليها وهي مدة يونان في بطن الحوت . ومنها مسألة النساء اللواتي جئن القبر وفيها عدة خلافات في وقت المجيء ورؤية الملك أو الملكين ورؤيته هو الخ ( الشبهة الرابعة ) قولهم ان كتب العهد العتيق قد بشرت بمسألة الصلب ونوهت بها تنويها ونحن نقول إن هذا غير مسلم بل أنتم الذين تأولتم عبارات من تلك الكتب وجعلتموها مشيرة إلى هذه القصة - أو كما قال السيد جمال الدين انكم فصلتم قميصا من تلك الكتب وألبستموها للمسيح . كما انكم تدعون ان الذبائح الوثنية كانوا يشيرون بها إلى صلب المسيح فكأن جميع خرافات البشر وعباداتهم حجج لكم على عقيدتكم هذه وان كانوا قد سبقوكم إلى مثلها . على أن كثيرا من تلك العبارات حجة عليكم لا لكم كما هو مبسوط في محله ( الشبهة الخامسة ) يقولون إذا جاز ان يشتبه في المسيح ويجهل شخصه الجنود الذين جاءوا للقبض عليه والحكام ورؤساء الكهنة الذين طلبوا صلبه بعد القبض عليه ، فهل يجوز ان يشتبه في ذلك تلاميذه ومريدوه الذين يعرفونه حق المعرفة ؟ ونقول إن الجواب عن هذا من وجهين ( أحدهما ) انه عهد بين الناس ان يشبه بعضهم بعضا شبها تاما بحيث لا يميز أحد المتشابهين المعاشرون والأقربون . وقد يكون هذا بين الغرباء كما يكون بين الأقربين . ولعله يقل في الذين يسافرون ويتقلبون بين الكثير من الناس من لم يقع له الاشتباه بين من يعرف ومن لا يعرف . وقد وقع لي غير مرة ان اسلم على رجل غريب اشتبه عليّ بصديق لي ثم اعرف بعد الحديث