الشيخ محمد رشيد رضا
393
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
استأصله وأفسده . - إلى أن قال - والسحت ( بالفتح ) شدة الأكل والشرب ، ورجل سحت ( بالضم ) وسحيت ومسحوت : رغيب واسع الجوف لا يشبع . اه المراد من اللسان فعلم منه ان أصل معنى السحت إزالة القشر عن العود بالتدريج وما في معناه كحلق الشعر ، ومن العرب من لا يقول : اسحت الشيء . الا إذا استأصله بالقشر . ويمكن ارجاع معنى عدم الشبع إلى هذا المعنى كأن المعدة لسرعة هضمها تستأصل الطعام . وسمي الكسب الخسيس والحرام سحتا لأنه يستأصل المروءة أو الدين ، والرشوة تستأصل الثروة ، وتفسد أمر المعاملة ، وتستبدل الطمع بالعفة . وكان أحبار اليهود ورؤساؤهم في عصر التنزيل كذابين أكالين للسحت من الرشوة وغيرها من الخسائس ، كدأب سائر الأمم في عهد فسادها وانحطاطها ، وقد صارت حالهم الآن أحسن من حال كثير من الذين يعيبونهم بما كان من سلفهم . ومن عجائب غفلة البشر عن أنفسهم ان يعيبك أحدهم بنقيصة ينسبها إلى أحد أجدادك الغابرين ، على علم منه بأنك عار عنها ، أو متصف بالمحمدة التي هي ضدها ، وهو متصف بنقيصة جدك التي يعيبك بها ! ! فان كثيرا ممن يعدهم المسلمون من أحبارهم ورؤساء الدين فيهم ، وكثيرا من حكامهم الشرعيين والسياسيين يكذبون كثيرا ويقبلون الكذب ويأكلون السحت ، حتى أنهم يأخذون الرشوة من طلبة العلم ليشهدوا لهم زورا بأنهم صاروا من العلماء الأعلام ، ويعطونهم ما يسمونه « شهادة العلمية » كما يمنحهم حكامهم الرتب العلمية . وقد تجرأ بعض طلبة الأزهر مرة على شيخنا الأستاذ الامام فعرض عليه ثلاثين جنيها ليساعده في امتحان شهادة العالمية لعلمه بأنه غير مستعد للامتحان ولا أهل للشهادة ، فلم يملك الأستاذ نفسه من الانفعال ان ضربه ضربا موجعا ، وقال : اتطلب مني في هذه السن ان اغش المسلمين بك لتفسد عليهم دينهم يجهلك ، بهذه الجنيهات الحقيرة في نظري العظيمة في نظرك ، وأنا الذي لم أتدنس في عمري حتى ولا بقبول الهدية ممن أنقذتهم من الموت ؟ . ولو كنت ممن يتساهل في هذا لكنت من أوسع الناس ثروة . أو ما هذا مؤداه فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ أي فان جاؤوك متحاكمين إليك ( تفسير القرآن ) ( 50 ) ( الجزء السادس )