الشيخ محمد رشيد رضا

394

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فأنت مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم . وقد اختلف العلماء في هذا التخيير : أهو خاص بتلك الواقعة التي نزلت فيها الآية - وهي حدّ الزنا هل هو الجلد أو الرجم . أو دية القتيل ، إذ كان بنو النضير يأخذون دية كاملة على قتلاهم لقوتهم وشرفهم ، وبنو قريظة يأخذون نصف دية لضعفهم ، وقد تحاكموا إلى النبي ( ص ) فجعل الدية سواء - أم هو خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة وغيرهم إذ كان أولئك اليهود معاهدين ، أم الآية عامة في جميع القضايا من جميع الكفار ، عملا بقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟ المرجح المختار من الأقوال في الآية ان التخيير خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة . وعلى هذا لا يجب على حكام المسلمين ان يحكموا بين الأجانب الذين هم في بلادهم وان تحاكموا إليهم ، بل هم مخيرون ، يرجحون في كل وقت ما يرون فيه المصلحة . وأما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم إذا تحاكموا الينا . وليس في الآية نسخ كما قال بعض من زعم أنها عامة في جميع الكفار ، وقد نسخ من عمومها التخيير في الحكم بين الذميين . وقال بعضهم ان التخيير منسوخ بقوله تعالى في هذا السياق « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » ونقول لا يعقل ان تنزل آيات في سياق واحد كما هو الظاهر في هذه الآيات فيكون بعضها ناسخا لبعض . وانما تلك الآية امر للنبي ( ص ) بان يحكم بينهم بما أنزل اللّه من القسط . وسيأتي بيان ذلك وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي وان اخترت الاعراض عنهم ، فاعرضت ولم تحكم بينهم ، فلن يستطيعوا ان يضروك شيئا من الضر ، وان ساءتهم لخيبة ، وفاتهم ما يرجون من خفة الحكم وسهولته . ولعل هذا تعليل للتخيير وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي وان اخترت الحكم فاحكم بينهم بالقسط أي العدل لا بما يبغون . وقد شرحنا معناه اللغوي وبينا ما عظم اللّه من أمره في القيام به والشهادة به في تفسير الآية 134 من سورة النساء ( ص 455 ج 5 تفسير ) والآية التاسعة من هذه السورة . والمقسطون هم المقيمون للقسط بالحكم به أو الشهادة أو غير ذلك وفصلنا القول في الحكم بالعدل في تفسير ( 4 : 57 وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) فيراجع في المنار أو ( ص 174