الشيخ محمد رشيد رضا

392

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الطبيعة ، ولعله عام في جميع لغات البشر . وإذا قلنا إن اللام في الآية الأولى للتعليل ، وفي هذه الآية للتقوية ، ينتفي التكرار ، إذ المعنى هناك : يسمعون كلام الرسول والمؤمنين لأجل ان يجدوا مجالا للكذب ينفرون الناس به من الاسلام ، والمعنى هنا انهم يسمع بعضهم الكذب من بعض سماع قبول ، فهم يكذب بعضهم على بعض كما يكذبون على غيرهم ، ويقبل بعضهم الكذب من بعض . فأمرهم كله مبني على الكذب ، الذي هو شر الرذائل وأضر المفاسد . وهكذا شأن الأمم الذليلة المهينة ، تلوذ بالكذب في كل أمر ، وترى أنها تدرأ به عن نفسها ما تتوقع من ضر ، وكذلك يفشو فيها اكل السحت ، لأنها تعيش بالمحاباة ، وتألف الدناءة ، وتؤثر الباطل على الحق . فسر ابن مسعود السحت بالرشوة في الدين ، وابن عباس بالرشوة في الحكم ، وعلي بالرشوة مطلقا ، قيل له : الرشوة في الحكم ؟ قال : ذلك الكفر . وقال عمر : بابان من السحت يأكلهما الناس - الرشا في الحكم ومهر الزانية . فأفاد أن السحت أعم من الرشوة . ومن فسره بالرشوة لمطلقة أو المقيدة فقد أراد به أنه المراد من الآية باعتبار نزولها في أحبار اليهود ورؤسائهم لا المعنى اللغوي العام . وقيل : السحت الحرام مطلقا ، أو الربا ، أو الحرام الذي فيه عار ودناءة كالرشوة . واختلف علماء العربية في معناه الأصلي الذي اختير هذا اللفظ لأجله . فقال الزجاج هو من سحته وأسحته بمعنى استأصله بالهلاك ، ومنه قوله تعالى ( قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ) فعلى هذا يكون المراد بالسحت ما يسحت الدين والشرف لقبحه وضرره ، أو لسوء عاقبته وأثره . وقال الفراء : أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يكاد يرى الا جائعا . وعلى هذا يكون المراد به الحرام أو الكسب الدنيء الذي يحمل عليه الشره . قرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة السحت بضم السين وفتح الحاء والباقون بضمهما معا . لسان العرب : السحت والسحت كل حرام قبيح الذكر ، وقيل ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار وقبيح الذكر ، كثمن الكلب والخمر والخنزير . وسحت الشيء يسحته ( كفتح يفتح ) قشره قليلا قليلا ، وسحتّ الشحم عن اللحم قشرته عنه مثل سحفته . . . وقال اللحياني سحت رأسه سحتا وأسحته استأصله حلقا . وأسحت ماله -