الشيخ محمد رشيد رضا

391

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الموروثة الثابتة ، تحيط بها خطيئتها ، وتطبق عليها ظلمتها ، حتى لا يبقى لنور الحق منفذ ينفذ منه إليها . فتفقد قابلية الاستدلال والاستبصار ، والاستعداد للنظر والاعتبار ، التي جعلها اللّه أسباب الاتعاظ والاهتداء ، بحسب سنته الحكيمة في توفيق الأقدار للأقدار ، وهؤلاء الزعماء وأعوانهم من اليهود قد صبوا في قوالب تلك الصفات الرديئة صبا ، فلا تقبل طبائعهم سواها قطعا . فهذا هو سبب عدم تعلق إرادة اللّه تعالى بأن يطهر قلوبهم مما طبع عليها ، لان ارادته تطهير قلوبهم وهم متصفون بما ذكرنا إبطال للقدر ، وتبديل لما اقتضته الحكمة من السنن ، وكان امر اللّه قدرا مقدورا ، لا امرا أنفا ، ولن تجد لسنته تبديلا . ثم بين تعالى عاقبة هؤلاء المخذولين وجزاءهم فقال : لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ فاما العذاب في الآخرة فامره معلوم ، وكنهه مجهول . وأما خزي الدنيا فهو ما يلحقهم من الذل والفضيحة وهو ان الخيبة ، عندما ينكشف نفاقهم ، ويظهر للناس كذبهم ، ويعلو الحق على باطلهم . وقد صدق وعيد اللّه تعالى بهذا الخزي على يهود الحجاز كلهم ، كما يصدق في كل زمان على من يفسدون كفسادهم ، فيفشو فيهم الكذب والنفاق ، ويغلب عليهم فساد الاخلاق ، ولا يغني عنهم الانتساب إلى نبي لم يتبعوه ، ولا تنفعهم دعوى الايمان بكتاب لم يقيموه . فان الوعيد في الآية لم يوجه إلى أولئك اليهود لذواتهم وأعيانهم ، فذواتهم كسائر الذوات ، ولا لنسبهم وأرومتهم ، فنسبهم أشرف الانساب . وإنما هو وعيد على فساد القلوب الذي نشأ عنه فساد الاعمال ، فما بال الفاسدين المفسدين ، من المسلمين الجغرافيين أو السياسيين ، لا يعتبرون بما كان من خزي اليهود بخروجهم عن سنة أنبيائهم ، وبما حل من وعيد اللّه بهم ، على ما كان من حرص الرسول ( ص ) على هداهم ، وهم يرون في كل زمن مصداقه بأعينهم ، أفلا يقيمون القرآن بالاعتبار بنذره ، والحذر ما حذر منه ؟ ثم قال في وصفهم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أعاد وصفهم لكثرة سماع الكذب لتأكيد ما قبله ، والتمهيد لما بعده - كما قالوا - : والإعادة للتأكيد وتقرير المعنى ، وإفادة اهتمام المتكلم به ، مما ينبعث عن الغريزة ، ويعرف التأثير والتأثر به من