الشيخ محمد رشيد رضا
390
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بعدم رجمهما : ان أعطيتم من قبل محمد رخصة بالجلد عوضا عن الرجم فخذوه وارضوا به ، وان لم تعطوه بان حكم بأنهما يرجمان فاحذروا قبول ذلك والرضاء به . وقد تقدم انهم جاؤه فسألهم عن حد الزناة في التوراة ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، وجاؤوا بالتوراة فوضع أحدهم يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد اللّه بن سلام ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم . فاعترفوا بصدق النبي ( ص ) وظهر كذبهم وعبثهم بكتاب شريعتهم . والايتاء والاعطاء يستعمل في المعاني كغيرها قال اللّه تعالى في بيان حال هؤلاء العابثين بدينهم وفي أمثالهم وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي ومن تعلقت إرادة اللّه تعالى بأن يختبر في دينه فيظهر الاختبار كفره وضلاله ، كما يفتن الذهب بالنار فيظهر مقدار ما فيه من الغش والزغل ، فلن تملك أيها الرسول له من اللّه شيئا من الهداية والرشد ، كما انك لا تستطيع ان تحول النحاس إلى الذهب . لان سنة اللّه تعالى لا تتبدل في معادن الناس ولا في معادن الأرض . فهؤلاء المنافقون والمجاحدون من اليهود قد أظهرت لك فتنة اللّه واختباره إياهم درجة فسادهم ، وعلمت أنهم يقبلون الكذب دون الحق ، وان إظهار بعضهم للايمان ورؤيتهم لحسن حال المؤمنين وصلاحهم لم تؤثر في أنفسهم ، ورأيت كيف طوعت للآخرين أنفسهم التحريف والكتمان لاحكام كتابهم ، اتباعا لأهوائهم ، ومرضاة لاغنيائهم ، فلا تحزنك بعد هذا مسارعتهم في الكفر ، ولا تطمع في جذبهم إلى الايمان . فإنك لا تملك لاحد هداية ولا نفعا وانما عليك البلاغ والبيان ، ( راجع تفسير « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » ) ولا تخف عاقبة نفاقهم فإنما العاقبة للمتقين من أهل الايمان ، ولهم الخزي والهوان . ولذلك قال : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ اي أولئك الذين بلغت منهم الفتنة هذا الحد هم الذين لم تتعلق إرادة اللّه تعالى بتطهير قلوبهم من الكفر والنفاق ، لان ارادته تعالى انما تتعلق بما اقتضته حكمته البالغة ، وسننه العادلة ، ومن سننه في قلوب البشر وأنفسهم أنها إذا جرت على الباطل والشر ، ونشأت على الكيد والمكر ، واعتادت اتخاذ دينها ، شبكة لشهواتها وأهوائها ، ومردت على الكذب والنفاق ، وألفت عصبية الخلاف والشقاق ، وصار ذلك من ملكاتها الثابتة ، واخلاقها