الشيخ محمد رشيد رضا
387
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فلم بعد إلى دعائه باسمه أحد . ولكن المفسرين يغفلون عن هذا فيكرر كثير منهم كلمة « يا محمد » عند تفسيرهم لخطاب اللّه لرسوله بمثل « إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ » وما أشبهه من الخطاب ، وأخذه عنهم قراء التفسير فيكادون يقولونه في تفسير كل خطاب ، وان لم يذكر النداء في الكتاب . والحزن ضد السرور وهو ضرب من آلام النفس يجده الانسان عند فوت ما يحب ويستعمل الفعل الثلائي منه متعديا بعلى كحزن فلان على ولده ، ومتعديا بنفسه كحزنه الامر ، وهذه لغة قريش . وتميم تعديه بالهمزة فتقول أحزنه موت ولده . والحزن مذموم طبعا وشرعا مهما كان سببه ، ولهذا نهى اللّه تعالى عنه في هذه الآية وفي آيات أخرى ، وجعل التجرد منه ومن مقابله وهو فرح البطر والخفة بالأشياء المحبوبة غاية لكمال الايمان في قوله ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) وأما الفرح والسرور بالحق والفضل دون أعراض الدنيا لذاتها فهو محمود ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) كما أن حزن الرحمة والرأفة عند موت الولد وغيره من الصفات الفطرية الشريفة ، لا ما تكلفه المرء من لوازمه . فان قيل : ان الحزن ألم طبيعي يعرض للانسان عند فوت ما يحبه وليس أمرا اختياريا فكيف نهى اللّه تعالى عنه ؟ قلنا : ان النهي عن الحزن يراد به النهي عن لوازمه التي يفعلها كثير من الناس مختارين فتكون محركة لذلك الألم ومجددة له ومبعدة أمد السلوى - والامر بضدها من تكلف الأعمال التي تشغل النفس وتصرفها عن التذكر والتفكر فيما حزنت لأجله احتسابا ورضاء من اللّه تعالى ، وهذه الأفعال تكون بدنية نفسية وتكون نفسية فقط أو بدنية فقط . وفسروه هنا بقولهم أي لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين الذين يسارعون في الكفر أي في إظهاره بالتحيز إلى أعداء المؤمنين من أهله ، عندما تسنح لهم الفرصة ، ويجدون قوة يعتصمون بها من التبعة . فان اللّه يكفيك شرهم ، وينصرك عليهم وعلى من يتشيعون لهم . وللناس في المصائب عادات رديئة ، واعمال سخيفة ضارة ، تدل على ضعف البشر ، والسخط على القدر ، ومعظم العقلاء والحكماء يذمونه وينهون عنه كما نهى عنه الدين ، وقد قلت في مرثية نظمتها في أيام طلب العلم ، ناهيا ذاما ما اعتيد