الشيخ محمد رشيد رضا
388
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من شعائر الحزن : أطبيعة ذا الحزن ليس يشذ عن * ناموسه فرد من الافراد أم ذاك مما أودعته شرائع ال * أديان من هدي لنا ورشاد أم ذلك العقل السليم قضى على * كل الشعوب بهذه الأصفاد كلا فليس الامر ضربة لازب * لكنه ضرب من المعتاد فاخلع جلابيب العوائد ان تكن * ليست بحكم العقل ذات سداد يقال يسارع إلى الشيء ( سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) وسارع في الشيء ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) فالمسارع إلى الشيء هو الذي يسرع اليه من خارجه لأجل ان يصل اليه . والمسارع في الشيء هو الذي يسرع في أعماله وهو داخل فيه . وهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية لم يكونوا مؤمنين فيكون ما عملوا من أعمال الكفار انتقالا بسرعة من الايمان إلى الكفر ، بل كانوا داخلين في ظرف الكفر محيطا بهم سرادقه ، وانما انقلوا سراعا من حيز الإخفاء له والكتمان ، إلى حيز المصارحة والاعلان ، كالذي ينتقل في البيت من مكان إلى مكان . * * * وقد بين اللّه حقيقة حالهم هذه بقوله مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا . سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ اختلف القراء والمفسرون في الوقف هنا : هل يتم عند قوله تعالى « قُلُوبُهُمْ » أم قوله « هادُوا » ؟ أما تقدير الكلام على الأول فهو : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين الذين ادعوا الايمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم . وما بعده جملة مستقلة تقديرها : ومن الذين هادوا ( أي اليهود ) قوم سماعون للكذب الخ . وأما التقدير على الثاني فهو : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود . وقوله تعالى « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ » جملة مستأنفة حذف منها المبتدأ . أي هم سماعون للكذب الخ والأول أظهر . وقد قال بعض المفسرين : ان المراد بالمنافقين هنا منافقو اليهود ، فيكون الكلام هنا في أولئك اليهود عامة - الذين اظهروا الاسلام نفاقا والذين ظلوا على دينهم ، ويدخل في عموم الأول المنافقون من غير اليهود على قاعدة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب واختلف في قوله « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ » هل هو وصف للفريقين أم لأحدهما ؟ أي