الشيخ محمد رشيد رضا

378

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أن لا تعيش بأخلاق غيرك ولا بعلمه وعمله - وهي دار الكسب والتعاون - فكيف ينفعك إيمان غيرك وصلاحه ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ؟ ؟ * * * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هذا كلام مستأنف يؤكد مضمون ما قبله من كون مدار الفوز والفلاح في الآخرة على تقوى اللّه والتوسل اليه بالايمان والعلم الصحيح ، وتزكية النفس بالعمل الصالح والجهاد في سبيله ، وهو شأن المؤمنين الصادقين . فهو يقول إن مدار النجاة والفلاح على ما في نفس الانسان لا على ما هو خارج عنها كما يتوهم الكفار في امر الفدية . فلو ان للذين كفروا جميع ما في الأرض ومثله معه ، وبذلوا ذلك كله دفعة واحدة ليكون فداء لهم يفتدون به من العذاب الذي يصيبهم يوم القيامة ، لا يتقبله اللّه تعالى منهم ولا ينقذهم به من العذاب ، لان سنته الحكيمة قد مضت بأن سبب الفلاح والنجاة انما يكون من نفس الانسان لا من الأشياء التي تكون خارجها ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) ولهم عذاب شديد الألم قد استحقوه بكفرهم ، وما استتبعه من سيئات أعمالهم ، اتكالا منهم على الفدية والشفعاء . وهذا فرق جوهري واضح بين الاسلام وغيره من الأديان ، فالاسلام دين الفطرة ، وسنة اللّه تعالى فيها ان سعادة الانسان البدنية والنفسية في الدنيا والآخرة من نفسه لا من غيره ، فالنصارى يعتقدون ان خلاصهم ونجاتهم وسعادتهم بكون المسيح فدية لهم يفتديهم بنفسه مهما كانت حالهم ، وأكثرهم يضمون إلى المسيح الرسل والقديسين ، ويرون ان اللّه يحل ما يحلونه ويعقد ما يعقدونه ، وانهم شفعاء لهم عنده . وأما المسلمون فيعتقدون ان العمدة في النجاة والفلاح تزكية النفس بالايمان والفضائل والأعمال الصالحة ، فبذلك تصلح نفوسهم وتكون أهلا لرضوان اللّه تعالى . وان من دسّى نفسه بالشرك والفسق ، والفساد في الأرض ، لا يكون أهلا لمرضاة اللّه ودار كرامته ، فلا يقبل منه فداء ، ولا تنفعه شفاعة الشافعين * * * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ يريد الذين كفروا ان يخرجوا من النار دار العذاب والشقاء بعد دخولهم فيها ، وما هم بخارجين