الشيخ محمد رشيد رضا
379
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
منها البتة ، كما يدل عليه تأكيد النفي بالباء . ثم أكد مضمون ذلك باثبات العذاب المقيم لهم ، والمقيم هو الثابت الذي لا يظعن . والآية استئناف بياني ، إذ من شأن من سمع الآية التي قبلها ان تستشرف نفسه للسؤال عن حال أولئك الكفار الذين لا يتقبل منهم فداء مهما جل وعظم ، فجاءت هذه الآية بالجواب . ثم قال تعالى * * * ( 41 ) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 42 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 43 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * * * المحاربون المفسدون في الأرض يأكلون أموال الناس بالباطل جهرة ، وينتزعونها منهم عنوة ، واللصوص يأكلونها كذلك ولكنهم يأخذونها خفية ، فلما بين اللّه تعالى عقاب أولئك ، وأمر بالتقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيل اللّه - وهي الاعمال التي يكمل بها الايمان ، وتتهذب بها النفوس حتى تنفر من الحرام ، - بين عقاب هؤلاء أيضا ، جمعا بين الوازع النفسي وهو الايمان والصلاح ، والوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب والنكال ، فقال عز من قائل : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أي والسارق والسارقة مما يتلى عليكم حكمهما ، ويبين لكم حدهما ، كما بين لكم حد المفسدين في الأرض مثلهما ، فاقطعوا أيديهما ، أو التقدير : وكل من السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، كما تقطعون أيدي المحاربين إذا سلبا المال مثلهما . والمراد قطع يد كل منهما ، أي إذا سرق الذكر تقطع يده ، وإذا سرقت الأنثى تقطع يدها ، وانما جمع اليد ولم يقل يديهما لان فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية ، أي الجمع بين تثنيتين . ومثله قوله تعالى ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) والوصف هنا متضمن لمعنى الشرط فقرن خبره بالفاء على الأظهر . وقد صرح بأن هذا الحد