الشيخ محمد رشيد رضا
374
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، وعدى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء . وايجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وان كان نبيا قول ضعيف في الغاية ، مخالف للأصول والنصوص ، فالإقسام به على اللّه - والسؤال به بمعنى الاقسام - هو من هذا الجنس « والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسئل اللّه تعالى بمخلوق ، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم ( أحدهما ) الاقسام على اللّه سبحانه وتعالى به ، وهذا منهيّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم ، كما ينهى ان يقسم على اللّه بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء * ( والثاني ) السؤال به ، فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف ، وهو موجود في دعاء كثير من الناس . لكن ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك كله ضعيف ، بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة الا حديث الأعمى « 1 » الذي علمه ان يقول : أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة * « وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه انما توسل بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وشفاعته ، وهو طلب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الدعاء ، وقد أمره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ان يقول « اللهم شفعه فيّ » ولهذا رد اللّه عليه بصره لما دعا له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالسؤال به لم يكن حالهم كحاله « ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله « اللهم انا كنا إذا اجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا » يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته ، إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس . وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين
--> ( 1 ) قد أطال الشيخ الكلام على حديث الأعمى فبين طرقه وعللها وبين ان ما سلم سنده منها يدل على أن الأعمى توسل بدعاء النبي ( ص ) لا بشخصه .