الشيخ محمد رشيد رضا

375

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دون الاقسام بهم لان بين السؤال والاقسام فرقا ، فان السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة ، والمقسم اعلا من هذا ، فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم ، والمقسم لا يقسم الا على من يرى أنه يبر قسمه . فابرار القسم خاص ببعض العباد . واما إجابة السائلين فعام ، فان اللّه يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وان كان كافرا * وفي الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما من داع يدعو اللّه بدعوة ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم الا أعطاه اللّه بها احدى خصال ثلاث ، إما ان يعجل له دعوته : واما ان يدخر له من الخير مثلها ، وإما ان يصرف عنه من الشر مثلها » قالوا يا رسول اللّه إذا نكثر ، قال « اللّه أكثر » « 1 » ( ثم قال في موضع آخر ) « وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم - وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم انه لا يجوز - ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقص ذلك فضلا ان يجعل هذا من مسائل السبب ، فمن نقل عن مذهب مالك انه جوز التوسل به بمعنى الاقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه ، فضلا عن أن يقول مالك ان هذا سبب للرسول أو يتنقص به ، بل المعروف عن مالك انه كره للداعي ان يقول : يا سيدي سيدي ! وقال : قل كما قالت الأنبياء « يا رب يا رب يا كريم » وكره أيضا ان يقول : يا حنان يا منان ! فإنه ليس بمأثور عنه . فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعا عنده ان يسئل اللّه بمخلوق نبيا كان أو غيره - وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا اللّه بمخلوق لا نبي ولا غيره بل قال عمر « اللهم انا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا » - وكذلك ثبت في الصحيح عن ابن عمر وأنس وغيرهما انهم كانوا إذا اجدبوا انما يتوسلون بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم واستسقائه ، لم ينقل عن أحد منهم انه كان في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم سأل اللّه تعالى بمخلوق لا به ولا بغيره ، لا في الاستسقاء ولا غيره . وحديث الأعمى سنتكلم عليه ان شاء اللّه تعالى ، فلو كان السؤال به معروفا عند الصحابة

--> ( 1 ) قد أطال الشيخ قدس اللّه روحه في بيان الفرق بين السؤال والقسم وذكرنا بعض كلامه في تفسير ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ) من جزء التفسير الرابع ( ص 334 )