الشيخ محمد رشيد رضا

373

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ورسلك ، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام . قال القدوري : المسئلة بحقه لا تجوز ، لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقا . « وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن اللّه لا يسئل بمخلوق له معنيان ( أحدهما ) هو موافق لسائر الأئمة الذي يمنعون ان يقسم أحد بالمخلوق ، فإنه إذا منع ان يقسم على مخلوق بمخلوق ، فلأن يمنع ان يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأخرى . وهذا بخلاف اقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ، والشمس وضحاها ، والنازعات غرقا ، والصافات صفا . فان اقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه اقسامه ، بخلاف المخلوق فان إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من حلف بغير اللّه فقد اشرك » وقد صححه الترمذي وغيره ، وفي لفظ « فقد كفر » وقد صححه الحاكم . وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال « من كان حالفا فليحلف باللّه » وقال « لا تحلفوا بآبائكم فان اللّه ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم » وفي الصحيحين عنه أنه قال « من حلف باللات والعزى فليقل لا اله الا اللّه » وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الاقصي ومسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأولياء والصالحين وايمان السدق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك « والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور . وهو مذهب أبي حنيفة ، وأحد القولين في مذهب الشافعي واحمد . وقد حكي اجماع الصحابة على ذلك وقيل هي مكروهة كراهة تنزيه - والأول أصح - حتى قال عبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه ابن عباس وعبد اللّه ابن عمر : لأن احلف باللّه كاذبا أحب اليّ من أن احلف بغير اللّه صادقا : وذلك لأن الحلف بغير اللّه شرك ، والشرك أعظم من الكذب . وانما نعرف النزاع في الحلف بالأنبياء ، فعن أحمد في الحلف بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم روايتان ( إحداهما ) لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور مالك وأبي حنيفة والشافعي ( والثانية ) ينعقد اليمين به ، واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي وأتباعه . وابن المنذر وافق هؤلاء .