الشيخ محمد رشيد رضا

369

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعالى على قصة ابني آدم وما ناسبها من بيان حدود الذين يبغون على الناس ويفسدون في الأرض ، - بالامر بالتقوى ومنها اتقاء الحسد والبغي والفساد الذي هو سبب الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة - وبابتغاء الوسيلة اليه تعالى والجهاد في سبيله ، رجاء الفلاح والفوز بالسعادة - وبوعيد الكفار الذين لا يتقون اللّه ولا يتوسلون اليه بما يرضيه ، فقال * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ اتقاء اللّه هو اتقاء سخطه وعقابه ، وسخطه وعقابه أثر لازم لمخالفة سننه في الأنفس والآفاق ، ومخالفة دينه وشرعه الذي يعرج بالأرواح إلى سماء الكمال والوسيلة اليه هي ما يتوسل به اليه ، أي ما يرجى ان يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه ، واستحقاق المثوبة في دار كرامته ولا يعرف ذلك على الوجه الصحيح لا بتعريفه تعالى ، وقد تفضل علينا بهذا التعريف بوحيه إلى رسوله ( ص ) قال الراغب : الوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة ، وهي أخص من الوصيلة ، لتضمنها معنى الرغبة . . . وحقيقة الوسيلة إلى اللّه مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة ، وهي كالقربة . اه وروي تفسير الوسيلة بالقربة عن حذيفة وصححه الحاكم عنه . ورواه ابن جرير عن عطاء ومجاهد والحسن وعبد اللّه ابن كثير . وروى هو وعبد بن حميد وابن لمنذر عن قتادة في الآية أنه قال : تقربوا اليه بطاعته والعمل بما يرضيه . وروى عن ابن زيد تفسيرها بالمحبة قال : أي تحببوا إلى اللّه ، وقرأ ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) وعن السدي انها المسألة والقربة . وروى ابن الأنباري ان نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الوسيلة فقال الحاجة . قال وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم اما سمعت عنترة وهو يقول : ان الرجال لهم إليك وسيلة * أن يأخذوك تكحلي وتخضبي ولم يرو ابن جرير هذا . واستدل بالبيت على تفسير الوسيلة بالقربة . وإرادة القربة من البيت أظهر من إرادة الحاجة . على أنه لا ينافيه ، كما لا ينافيه تفسيرها بالمحبة . فان طلب الحاجة من اللّه ومحبة اللّه مما يتقرب به اليه . وتفسير الوسيلة بما فسرناها به أعم ، وهو المطابق للغة . قال في لسان العرب : الوسيلة في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به اليه . وذلك يعد ان فسر الوسيلة بالمنزلة عند الملك وبالقربة . وقال : ( تفسير القرآن ) ( 47 ) ( الجزء السادس )