الشيخ محمد رشيد رضا

370

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ووسل فلان إلى اللّه وسيلة ، إذا عمل عملا تقرب به اليه . والواسل الراغب ، قال لبيد : أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم * بلى كل ذي رأي إلى اللّه واسل ثم ذكر من معانيها الوصلة والقربى . وانما يؤخذ عن أهل اللغة أصل المعنى ويرجح به بعض التفسير المأثور على بعض . وللوسيلة معنى في الحديث غير معناها هنا روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن الأربعة من حديث جابر ان النبي ( ص ) قال « من قال حين يسمع النداء ( أي الأذان ) : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا « 1 » الذي وعدته : حلت له شفاعتي يوم القيامة » ووى احمد ومسلم وأصحاب السنن الا ابن ماجة من حديث عبد اللّه بن عمر انه سمع النبي ( ص ) يقول « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا عليّ ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلّى اللّه عليه عشرا ، ثم سلوا إلي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد اللّه ، وأرجو أن أكون هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة » وتفسير النبي ( ص ) للوسيلة يؤيده قول نقلة اللغة ان من معانيها المنزلة عند الملك . فيظهر ان هذه الوسيلة الخاصة هي أعلى منازل الجنة . فمن دعا اللّه تعالى أن يجعلها للنبي ( ص ) كافأه النبي ( ص ) بالشفاعة وهي دعاء أيضا . والجزاء من جنس العمل . فالوسيلة في الحديث اسم لمنزلة في الجنة معينة ، وفي القرآن اسم لكل ما يتوصل به إلى مرضاة اللّه من علم وعمل وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي جاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء ، وحملها على التزام الحق في جميع الأحوال ، وجاهدوا أعدء الاسلام ، الذين يقاومون دعوته وهدايته للناس . فالجهاد من الجهد وهو المشقة والتعب ، وسبيل اللّه هي طريق الحق والخير والفضيلة ، فكل جهد يحمله الانسان في الدفاع عن الحق والخير والفضيلة ، أو في تقريرها وحمل الناس عليها ، فهو جهاد في سبيل اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي اتقوا ما يجب تركه ، وابتغوا ما يجب فعله ، من أسباب مرضاة اللّه وقربه ، واحتملوا الجهد والمشقة في سبيله ، رجاء الفوز والفلاح ، والسعادة في المعاش والمعاد .

--> ( 1 ) منصوب على الظرفية أي أقمه مقاما محمودا . وقيل ضمن ابعثه معنى اعطه . ولعل الحكمة في التنكير موافقة لفظ الآية في سورة الإسراء . ورواه النسائي وابن حبان وغيرهما بالتعريف