الشيخ محمد رشيد رضا
367
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الظلم والبغي . ولم أر قولا لاحد جمع به بين كل ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الباب ، ووضع كلا منها في الموضع الذي يقتضيه سبب وروده مراعيا اختلاف الحالات في ذلك ، مبينا مفهومات الالفاظ بحسب ما كانت تستعمل به في زمن التنزيل دون ما بعده . مثال هذا لفظ « الجماعة » انما كان يراد به جماعة المسلمين التي تقيم أمر الاسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه ( ص ) ولكن صارت كل دولة أو امارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها ، وان هدمت السنة ، وأقامت البدعة ، وعطلت الحدود ، وأباحت الفجور . ومثال اختلاف الأحوال تعدد الدول ، فأيها تجب طاعته والوفاء ببيعته ؟ وإذا قاتل أحدها الآخر فأيها يعد الباغي الذي يجب على سائر المسلمين قتاله حتى يفيء إلى أمر اللّه ؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة . ومن المسائل المجمع عليها قولا واعتقادا : أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، « وانما الطاعة في المعروف » وان الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الاسلام واجب . وان إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود وشرع ما لم يأذن به اللّه كفر وردة . وانه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع ، وحكومة جائرة تعطله وجب على كل مسلم نصر الأولى ما استطاع . وانه إذا بغت طائفة من المسلمين على أخرى وجردت عليها السيف وتعذر الصلح بينهما فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر اللّه . وما ورد في الصبر على أئمة الجور الا إذا كفروا معارض بنصوص أخرى ، والمراد به اتقاء الفتنة ، وتفريق الكلمة المجتمعة ، وأقواها حديث « وان لا تنازع الامر أهله ، إلا أن تروا كفر بواحا » قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية - ومثله كثير - وظاهر الحديث ان منازعة الإمام الحق في إمامته لنزعها منه لا يجب الا إذا كفر كفرا ظاهرا وكذا عماله وولاته . وأما الظلم والمعاصي فيجب إرجاعه عنها مع بقاء إمامته وطاعته في المعروف دون المنكر ، والا خلع ونصب غيره . ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) على امام الجور والبغي ، الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر ، يزيد بن معاوية خذله اللّه وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب .