الشيخ محمد رشيد رضا
366
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيؤمنه ، كما فعل حارثة . وقال بعضهم لا يشترط ذلك بل يجب على الامام أن يقبل كل تائب . ورووا في ذلك واقعة محارب جاء ابا موسى تائبا ، وكان عامل عثمان على الكوفة فقبل منه - وواقعة علي الأسدي الذي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم ثم سمع رجلا يقرأ ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) الآية . فاستعادها فأعادها القارئ ، فغمد سيفه وجاء المدينة تائبا بعد أن عجزت الحكومة والناس عنه ، فأخذ بيده أبو هريرة وجاء به والي المدينة مروان بن الحكم وقال له : لا سبيل لكم عليه ولا قتل . فترك من ذلك كله ( خلاصة الآيتين وقتال البغاة وطاعة الأئمة ) قد علم من التفصيل السابق أن هاتين الآيتين خاصاتان بعقاب المحاربين المفسدين في الأرض ، أي الذين يعملون في بلاد الاسلام أعمالا مخلة بالأمن على الأنفس والأموال والاعراض ، معتصمين في ذلك بقوتهم ، غير مذعنين للشريعة باختيارهم . فيجب على الأئمة ( الحكام ) ان يطاردوهم ويتتبعوهم ، فإذا قدروا عليهم عاقبوهم بتلك العقوبات ، بعد تقدير كل مفسدة بقدرها ، ومراعاة المصلحة العامة وسد ذريعة الفساد . ومن تاب قبل القدرة عليه لا يعاقب بما في هذه الآية وانما حكمه حكم سائر الناس وقد قلنا إن بعض العلماء قال : ان الآية نزلت في الخوارج . وأوردوا في هذا المقام ما ورد من الأحاديث المنبئة بصفات الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه في عهد خلافته ، ولا يصح ذلك القول بحال من الأحوال ، وقد قاتل أمير المؤمنين الخوارج برأي من معه من علماء الصحابة ، ولم يعاملهم بعقوبات آية المحاربين المفسدين ، إذ لم يكن غرضهم الافساد في الأرض ، ولا تخريب العمران وإزالة الامن . وانما هم قوم خرجوا على الإمام العادل بعد البيعة متأولين ، زاعمين انه زل عن صراط الحق ، وتجاوز تحكيم الشرع إلى الرأي . وقد اختلف علماء المسلمين في مسألة الخروج على أئمة الجور وحكم من يخرج ، لاختلاف ظواهر النصوص التي وردت في الطاعة والجماعة والصبر وتغيير المنكر ومقاومة