الشيخ محمد رشيد رضا
365
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة ، ولذلك بين اللّه تعالى انهم يصيرون بهذه التوبة أهلا لمغفرته ورحمته فقال فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فاعلموا انه تعالى يغفر لهم ما سلف ، ويرحمهم برفع العقاب عنهم . وهل الذي يرتفع عنهم عقاب الآخرة فقط كما قالوا في توبة السارق ؟ ( وسيأتي حده وحكمه بعد ثلاث آيات ) أم يرتفع عنهم حق اللّه كله من عقاب الدنيا والآخرة ولا يبقى عليهم الا حقوق العباد ؟ وإذا يكون لمن سلب التائب أموالهم أيام افساده ان يطالبوه بها ، ولمن قتل منهم أحدا ان يطالبوه بدمه ، ولهم الخيار كغيرهم بين القصاص والدية والعفو . أم تسقط عنهم حقوق اللّه كلها وحقوق العباد كلها أيضا ؟ احتمالات آخرها أضعفها ، وأوسطها أقواها ، وقد ثبت عن الصحابة اسقاط الحد عمن تاب ولكن لم يرد أن أحدا تقاضى التائب حقا ولم يسمع له الامام . وإذا جاز اسقاط الحد مطلقا عن التائب فلا يجوز اسقاط المال عنه مطلقا . بل يتجه ان يقال . ان توبته لا تصح الا إذا أعاد الأموال المسلوبة إلى أربابها . فإذا رأي أولو الامر اسقاط حق مالي عن المفسدين للمصلحة العامة وجب ان يضمنوه من بيت المال . وقد اختلف علماء السلف . في هؤلاء التائبين . فقيل إنهم المحاربون المفسدون من الكفار ، إذا تابوا عن الكفر والحرب والفساد ودخلوا في الاسلام قبل القدرة عليهم . فهم الذين يسقط عنهم كل حق كان قبل الاسلام ، لأنه يجبّ ما قبله مطلقا . رواه ابن جرير عن ابن عباس وعكرمة والحسن البصري ومجاهد وقتادة . وقيل إنها في المحاربين من المسلمين . وروى ابن جرير ان حارثة بن بدر كان محاربا في عهد أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه فطلب من الحسن بن علي ثم من ابن جعفر ( عليهم الرضوان ) ان يستأمن له عليا فأبيا عليه . فأتى سعيد بن قيس فقبله ( قال الراوي ) فلما صلى علي الغداة أتاه سعيد بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ؟ فقرأ علي الآيتين ، فقال سعيد : وان كان حارثة بن بدر ؟ قال : وان كان حارثة بن بدر . قال فهذا حارثة بن بدر جاء تائبا فهو آمن ؟ قال نعم . قال فجاء به فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أمانا . ولكن ليس في الرواية ما يدل على اسقاط حقوق الناس . وقد اشترط بعضهم في التائب أن يستأمن الامام