الشيخ محمد رشيد رضا

364

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب . وعن أحمد انه يقطع مع ذلك . وان قتل من يكافئه فهل يقتل ؟ على روايتين » الخ ما ذكره وهو مثل الذي عزوناه إلى ابن عباس مع تفصيل وذكر روايات مختلفة في المذهب . وقال محشيه ما نصه : « قوله وإذا قدر عليهم الخ هذا هو المذهب وروي نحوه عن ابن عباس . وبه قال قتادة وأبو مجاز وحماد والليث والشافعي . وذهبت طائفة إلى أن الامام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي ، لأن « أو » تقتضي التخيير . وبه قال سعيد ابن المسيب وعطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو الزناد وأبو ثور وداود . وقال مالك إذا قطع الطريق فرآه الامام جلدا ذا رأي قتله ، وان كان جلدا لا رأي له قطعه . ولم يعتبر فعله . اه أي ان مالكا يعتبر حال قاطع الطريق في العقاب لا عمله وحده . والجلد القوي صاحب الثبات ، فإذا اجتمعت القوة مع الرأي والتدبير كان الفساد أقوى والعاقبة شرا . وذكر الشوكاني في نيل الأوطار أقوالا كثيرة للعلماء في ذلك منها أقوال أئمة الزيدية فليراجعها من شاء قال تعالى ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي ذلك الذي ذكر من العقاب خزي لأولئك المحاربين المفسدين أي ذل وفضيحة - لهم - في الدنيا ، ليكونوا عبرة لغيرهم من المفسدين . وقال « لَهُمْ خِزْيٌ » ولم يقل « خزي لهم » ليفيد انه خاص بهم دون الافراد الذين يعملون مثل عملهم من غير أن يكونوا محاربين ومعتزين بالقوة والعصبية . ثم إن عذابهم في الآخرة يكون عظيما بقدر تأثير افسادهم في تدنيس أرواحهم وتدسية أنفسهم ، ويا له من تأثير ! * * * إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثنى اللّه تعالى من المحاربين المفسدين في الأرض - الذين حكم عليهم بأشد الجزاء في الدنيا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة - من يتوبون منهم قبل القدرة عليهم ، وتمكن أولي الأمر من عقابهم ، فان توبتهم وهم في قوتهم ومنعتهم ، جديرة بأن تكون توبة نصوحا منشؤها العلم بقبح عملهم والعزم على عدم العودة اليه ، لا الخوف من عقاب الدنيا . وهب أنه الخوف من عقاب الدنيا : أليسوا قد تركوا الافساد ومحاربة شرع اللّه ورسوله ، وصاروا كسائر الناس ؟ بلى ! وإذا لا يجمع لهم بين أشد عقاب الشرع