الشيخ محمد رشيد رضا

358

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فعلا ، وقد ذكر حكمهم في الكتاب العزيز بصيغة اسم الفاعل المفرد كقوله ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) وهم يستخفون بأفعالهم ، ولا يجهرون بالفساد حتى ينتشر بسوء القدوة بهم ، ولا يؤلفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوة . فلهذا لا يصدق عليهم أنهم محاربون اللّه ورسوله ومفسدون ، والحكم هنا منوط بالوصفين معا . وإذا أطلق الفقهاء لفظ المحاربين فإنما يعنون به المحاربين المفسدين . لان الوصفين متلازمان . ولا تتحقق محاربة اللّه ورسوله ، بمحاربة الشرع ومقاومة تنفيذه ، وافساد النظام على أهله ، الا في دار الاسلام ، وللكفار في دار الحرب احكام أخرى كما قال الفقهاء ، واحكامهم تذكر في كتاب الجهاد لا في كتاب المحاربة أو الحرابة كما تقدم . وقد فطن لهذا المعنى بعضهم ولم يتضح له تمام الاتضاح فاشترط ان يكون المحاربون المفسدون من المسلمين كما تقدم . والصواب ان يكون إفسادهم في دار الاسلام ، ولا فصل حينئذ فيهم بين ان يكونوا مسلمين أو ذميين أو معاهدين أو حربيين ، كل من قدرنا عليه منهم نحكم بينهم بهذه الآية . وقد اختلف الفقهاء في تعريف المحاربين فروى ابن جرير وغيره عن مالك ابن أنس أنه قال : المحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء ، فكان ذلك منه على غير ثائرة كانت بينهم ولا دخل ولا عداوة ، قاطعا للسبيل والطريق والديار ، مختفيا لهم بسلاحه . وذكر ان من قتل منهم قتله الامام ، ليس لولي المقتول فيه عفو ولا قود . وقال ابن المنذر : اختلفت الرواية في مسألة اثبات المحاربة في المصر عن مالك فأثبتها مرة ونفاها أخرى . نقول : والصواب الإثبات لأنه المعروف في كتب مذهبه . وانما اشترط انتفاء العداوة وغيرها من الأسباب ليتحقق كون ذلك محاربة للشرع ومقاومة للسلطة التي تنفذه . وفي حاشية المقنع من كتب الحنابلة تلخيص لمذاهب الفقهاء في ذلك هذا نصه : « يشترط في المحاربين ثلاثة شروط ( 1 ) أن يكون معهم سلاح ، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم . ولا نعلم في هذا خلافا . فان