الشيخ محمد رشيد رضا

354

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فعلوا بالراعي المسلم - وفي بعض الروايات الرعاة بالجمع - فنزلت الآية فترك ذلك ولم يفعله . وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فقال بعضهم انه خاص بمثل من نزلت فيهم من الكفار مطلقا ؟ أو الذين غدروا من اليهود ، أو الذين خدعوا النبي والمسلمين بإظهار الاسلام حتى إذا تمكنوا من الافساد بالقتل والسلب عادوا إلى قومهم وأظهروا شركهم معهم . وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها خاصة بمن يفعلون هذه الأفعال من المسلمين ، وكأنهم اعتدّوا بما أظهره العرنيون من الاسلام . ورووا عدة روايات في تطبيق الآية على الخوارج ، بل قالوا إنها نزلت فيهم . والظاهر المتبادر بصرف النظر عن الروايات المتعارضة انها عامة لكل من يفعل هذه الأفعال في دار الاسلام إذا قدرنا عليهم وهم متلبسون بها بالفعل أو الاستعداد . وقد قال الذين جعلوها خاصة بالمسلمين : ان أحكام الكفار في الحرب معروفة بالنصوص والعمل ، وليس فيها هذه الدرجات في العقاب . وجوابه ان هذا العقاب خاص بمن فعل مثل أفعال العرنيين ، فلا يقتضي ذلك ان يتبع في حرب كل من حاربنا من الكفار . وقال بعضهم : ان استثناء من تابوا قبل القدرة عليهم دليل على إرادة المسلمين ، لان الكفار لا يشترط في توبتهم أن تكون قبل القدرة عليهم . ويجاب عن هذا بأن التوبة من هذا الافساد هي التي يشترط فيها أن تكون قبل القدرة عليهم ، لا التوبة من الكفر . ومجموع الروايات في قصة العرنيين تفيد انهم جعلوا الاسلام خديعة للسلب والنهب ، وانهم سملوا أعين الرعاة ثم قتلوهم ومثلوا بهم ، وفي بعضها انهم اعتدوا على الاعراض أيضا وان النبي ( ص ) عاقبهم بمثل عقوبتهم عملا بقوله تعالى ( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) وقوله ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) ان صح أن الآية نزلت بعد عقابهم . ولم يعف عنهم كعادته لئلا يتجرأ على مثل فعلتهم أمثالهم من اعراب المشركين وغيرهم ، فأراد بذلك القصاص وسدّ الذريعة ، وان اللّه تعالى انزل الآية بهذا التشديد في العقاب على مثل هذا الافساد ، لهذه الحكمة ، وهي سد ذريعة هذه المفسدة ، ولكنه حرم مع ذلك كله