الشيخ محمد رشيد رضا
355
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المثلة ، وهي تشويه الأعضاء . ولا مفسدة أشد وأقبح من سلب الامن على الأنفس والاعراض والأموال الناطقة والصامنة . فرب عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة . ورب عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهر الأرض من أمثالها زمنا طويلا . والتشديد في سدّ الذرائع ركن من أركان السياسة لا تزال جميع الدول تحافظ عليه ، حتى أن بعضهم يحكم الوهم فيه . ومن الأمر الإدّ ، ما اجترحته انكلترة في مصر بهذا القصد ، إذ مر بقرية ( دنشواي ) منذ سنين قليلة افراد من جند الانكليز كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها « 1 » فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا ، فعظم على الانكليز تجرؤ الفلاح المصري ، على ضرب الجندي الانكليزي ، فعقدوا المحكمة العرفية لمحاكمة أولئك الفلاحين برياسة بطرس باشا غالي ، فحكمت على بعض أولئك الفلاحين بأن يصلّبوا ويعذبوا بالضرب بالسياط ( الكرابج ) ذات العقد حتى تتناثر لحومهم ، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدة طويلة ، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين الناس ، ونفذ الحكم . وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها الناس حتى بعض أحرار الانكليز في بلادهم ، وشنعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النواب . ومثل هذه الحادثة لا تعد من الخروج على ذي السلطان ، ولا من الفساد في الأرض . ولكن قصد الانكليز بالقوة فيها أن لا يتجرأ أحد على مقاومة جندي انكليزي وان اعتدى . فأين هذا من عدل الاسلام . الذي ساوى خليفته عمر بن الخطاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العام ( عمرو بن العاص ) وبين غلام قبطي ، إذ تسابقا فسبق القبطي ابن الحاكم فصفعه هذا وقال : أتسبقني وانا ابن الأكرمين ؟ فلما رفع الأمر إلى عمر ( رض ) لم يرض الا ان يصفع القبطي ابن الفاتح الحاكم كما صفعه . وقال لعمرو كلمته الذهبية المشهورة : يا عمرو ! منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ولكن المسلمين لما تركوا حكم الاسلام صاروا يطلبون من الانكليز وممن دون الانكليز ان يعلموهم العدل وقوانينه ! !
--> ( 1 ) دنشواي قرية من المنوفية . والبيدر محل دوس الحصيد واستخراج الحب منه . ويسمى جرنا .